(إِلَّا الْمُرَابِط): هُوَ الْمُلَازِم لِلثَّغْرِ لِلْجِهَادِ. قَالَ بَعْض الْأَئِمَّة: أَصْل الْمُرَابَطَة أَنْ يَرْبُط الْفَرِيقَانِ خُيُولهمْ فِي ثَغْر كُلّ مِنْهُمَا مُعَدٍّ لِصَاحِبِهِ، فَسُمِّيَ الْمُقَام فِي الثُّغُور رِبَاطًا.
(يَنْمُو): أَيْ يَزِيد (إِلَى يَوْم الْقِيَامَة): يَعْنِي أَنَّ ثَوَابه يَجْرِي لَهُ دَائِمًا وَلَا يَنْقَطِع بِمَوْتِهِ.
(وَيُؤَمَّنُ مِنْ فَتَّان الْقَبْر) أَيْ فَتَّانِيهِ وَهُمَا مُنْكَر وَنَكِير، ويَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّ الْمَلَكَيْنِ لَا يَجِيئَانِ إِلَيْهِ وَلَا يَخْتَبِرَانِهِ بَلْ يَكْفِي مَوْته مُرَابِطًا فِي سَبِيل اللهِ شَاهِدًا عَلَى صِحَّة إِيمَانه. وَيَحْتَمِل أَنَّهُمَا يَجِيئَانِ إِلَيْهِ لَكِنْ لَا يَضُرَّانِهِ وَلَا يَحْصُل بِسَبَبِ مَجِيئِهِمَا فِتْنَة.
قَوْله ﵌: (وَأَجْرَى عَلَيْهِ رِزْقه) مُوَافِق لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى فِي الشُّهَدَاء: ﴿أَحْيَاء عِنْد رَبّهمْ يُرْزَقُونَ﴾.
* عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيَهَا وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ» (رواه مسلم)، وفي رواية: «مَنْ سَأَلَ اللهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» (رواه مسلم).
مَعْنَى الرِّوَايَة الْأُولَى مُفَسَّر مِنْ الرِّوَايَة الثَّانِيَة، وَمَعْنَاهُمَا جَمِيعًا: أَنَّهُ إِذَا سَأَلَ الشَّهَادَة بِصِدْقِ أُعْطِيَ مِنْ ثَوَاب الشُّهَدَاء، وَإِنْ كَانَ عَلَى فِرَاشه.
وَفِيهِ: اِسْتِحْبَاب سُؤَال الشَّهَادَة، وَاسْتِحْبَاب نِيَّة الْخَيْر.
* عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «تَكَفَّلَ اللهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ ـ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا جِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ ـ بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» (رواه مسلم).