لما كان في القلب قوتان: قوة العلم والتمييز وقوة الإرادة والحب كان كماله وصلاحه باستعمال هاتين القوتين فيما ينفعه ويعود عليه بصلاحه وسعادته فكماله باستعمال «قوة العلم» في إدراك الحق ومعرفته والتمييز بينه وبين الباطل وباستعمال «قوة الإرادة والمحبة» في طلب الحق ومحبته وإيثاره على الباطل فمن لم يعرف الحق فهو ضال ومن عرفه وآثر غيره عليه فهو مغضوب عليه ومن عرفه واتبعه فهو منعم عليه، وقد أمرنا ﷾ أن نسأله في صلاتنا أن يهدينا صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ولهذا كان النصارى أخص بالضلال لأنهم أمة جهل واليهود أخص بالغضب لأنهم أمة عناد، وهذه الأمة هم المنعم عليهم ولهذا قال سفيان ابن عيينة من فسد من عُبَادِنَا ففيه شبه من النصارى ومن فسد من عُلَمَائِنَا ففيه شبه من اليهود لأن النصارى عبدوا بغير علم واليهود عرفوا الحق وعدلوا عنه
(ثم ذكر الإمام ابن القيم ﵀ الحديث الآتي:
(حديث عدي بن حاتم ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: الْيَهُودُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ وَالنَّصَارَى ضُلَّالٌ.
المغضوب عليهم: هم من عرف الحق واتبع هواه.
والضالين: هم من جهلوا الحق.
وقد جمع الله سبحانه بين الأصلين في غير موضع من كتابه فمنها قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلّهُمْ يَرْشُدُونَ) [البقرة: ١٨٦]
فجمع سبحانه بين الاستجابة له والإيمان به، ومنها قوله عن رسوله (فَالّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتّبَعُواْ النّورَ الّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلََئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الأعراف: ١٥٧]
وقال تعالى: (الَمَ * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتّقِينَ * الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصّلاةَ وَممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * والّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلََئِكَ عَلَىَ هُدًى مّن رّبّهِمْ وَأُوْلََئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [البقرة ١: ٥]