(ثم انتقل بالمقارنة الملموسة بأعمال معروفة بعظمتها وكثرة أجرها، وجعل الذكر أكثر منها أجراً فقال: (وخير لكم من أعطاء الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم) فقارن الذكر وأجره بالإنفاق المالي، وهو عبادة متعدية النفع عظيمة الجر لاحتياجها إلى مجاهدة النفس، ومغالبة شحها وشهوتها في التملك والاستزادة، وكذلك قارن الذكر بالجهاد العملي الذي تبذل في المهج والأرواح.
ثم في آخر الحديث، وبعد تطلع الصحابة وتشوقهم قال لهم: (ذكر الله ﷿، فكانت طريقة عرضه أبلغ في إبراز المعنى والتأكيد على أهمية الذكر ورفعة مكانته.
ويؤكد مكانة الذكر أيضاً الحديث الآتي:
(حديث ابن عباس ﵄ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي ﷺ قال: من عجز منكم عن الليل أن يكابده وبخل بالمال أن ينفقه وجبن عن العدو أن يجاهده فليكثر ذكر الله.
وقد بينت السنة الصحيحة أن أفضل أهل كل عمل أكثرهم فيه ذكرا لله ﷿ فأفضل الصائمين أكثرهم ذكرا لله ﷿ وأفضل المتصدقين أكثرهم ذكرا لله تعالى وأفضل الحجيج أكثرهم ذكرا لله تعالى وهكذا سائر الأعمال
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: جاء الفقراء إلى النبي ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضلٌ من أموالاٍ يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون فقال رسول الله ﷺ: لا أحدثكم بما إن أخذتم به أدركتم من سبقكم ولم يدركم أحدٌ بعدكم وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيهم إلا من عمل مثله؟ تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين، فاختلفنا بيننا فقال بعضنا نسبح ثلاثاً وثلاثين ونحمد ثلاثاً وثلاثين ونكبِّر ثلاثاً وثلاثين فرجعت إليه فقال: تقول سبحان الله والحمد لله والله أكبر حتى يكون منهن كلهن ثلاثاً وثلاثين.
أهل الدثور: أي أهل الأموال والدثور: بضم الدال وجمع دثر بفتحها وهو المال الكثير.
والبُضْع: هو بضم الباء ويطلق على الجماع ويطلق على الفرج نفسه، هو الجماع وقيل الفرج نفسه.