حَكَى أَبُو فَرْوَةَ أَنَّ طَارِقًا صَاحِبَ شُرْطَةِ خَالِدٍ الْقَسْرِيِّ مَرَّ بِابْنِ شُبْرُمَةَ وَطَارِقٍ فِي مَوْكِبِهِ فَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: أَرَاهَا وَإِنْ كَانَتْ تَخُبُّ كَأَنَّهَا سَحَابَةُ صَيْفٍ عَنْ قَرِيبٍ تَقَشَّعُ اللَّهُمَّ لِي دِينِي وَلَهُمْ دُنْيَاهُمْ. فَاسْتُعْمِلَ ابْنُ شُبْرُمَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْقَضَاءِ فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ أَبُو بَكْرٍ: أَتَذْكُرُ قَوْلَك يَوْمَ كَذَا إذْ مَرَّ بِك طَارِقٌ فِي مَوْكِبِهِ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إنَّهُمْ يَجِدُونَ مِثْلَ أَبِيك وَلاَ يَجِدُ أَبُوك مِثْلَهُمْ. «إنَّ أَبَاك أَكَلَ مِنْ حَلاَوَتِهِمْ، فَحَطَّ فِي أَهْوَائِهِمْ». أَمَا تَرَى هَذَا الدَّيِّنَ الْفَاضِلَ كَيْفَ عُوجِلَ بِالتَّقْرِيعِ وَقُوبِلَ بِالتَّوْبِيخِ مِنْ أَخَصِّ ذَوِيهِ، وَلَعَلَّهُ مِنْ أَبَرِّ بَنِيهِ. فَكَيْفَ بِنَا وَنَحْنُ أَطْلَقُ مِنْهُ عَنَانًا، وَأَقْلَقُ مِنْهُ جَنَانًا. إذَا رَمَقَتْنَا أَعْيُنُ الْمُتَتَبِّعِينَ، وَتَنَاوَلَتْنَا أَلْسُنُ الْمُتَعَتِّبِينَ. هَلْ نَجِدُ غَيْرَ تَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى مَلاَذًا، وَسِوَى عِصْمَتِهِ مَعَاذًا؟ أهـ
(ذم الهوى وأتباعه:
((قال الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا:
وَأَمَّا الْهَوَى فَهُوَ عَنْ الْخَيْرِ صَادٌّ، وَلِلْعَقْلِ مُضَادٌّ؛ لِأَنَّهُ يُنْتِجُ مِنْ الأخْلاَقِ قَبَائِحَهَا، وَيُظْهِرُ مِنْ الأفْعَالِ فَضَائِحَهَا، وَيَجْعَلُ سِتْرَ الْمُرُوءَةِ مَهْتُوكًا، وَمَدْخَلَ الشَّرِّ مَسْلُوكًا.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «الْهَوَى إلَهٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ». ثُمَّ تَلاَ: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]
وَقَالَ عِكْرِمَةُ فِي قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ يَعْنِي بِالشَّهَوَاتِ ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ يَعْنِي بِالتَّوْبَةِ ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾ يَعْنِي فِي أَمْرِ اللَّهِ ﴿وَغَرَّتْكُمْ الامَانِيُّ﴾ يَعْنِي بِالتَّسْوِيفِ ﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي الْمَوْتَ ﴿وَغَرَّكُمْ بِاَللَّهِ الْغَرُورُ﴾ يَعْنِي الشَّيْطَانَ.