"ليت رجلاً صالحاً يحرسني: فيه جواز الاحتراس من العدو والأخذ بالحزم وترك الإهمال في موضع الحاجة إلى الاحتياط، قال العلماء: وكان هذا الحديث قبل نزول قوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ لأنه ﷺ ترك الاحتراس حين نزلت هذه الاَية وأمر أصحابه بالانصراف عن حراسته.
(حديث عائشة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) قالت كان النبي ﷺ يحرس حتى نزلت هذه الآية والله يعصمك من الناس فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من القبة فقال لهم يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني.
(حديث عائشة ﵂ الثابت في صحيح مسلم) قالت * سهر رسول الله ﷺ مقدمه المدينة ليلة فقال ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة قالت فبينا نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح فقال من هذا قال سعد بن أبي وقاص فقال له رسول الله ﷺ ما جاء بك قال وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه فدعا له رسول الله ﷺ ثم نام.
[*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
" يَحْرُسُنِي" بِضَمِّ الرَّاءِ أَيْ: يَحْفَظُنِي بَقِيَّةَ اللَّيْلَةِ لِأَنَامَ مُسْتَرِيحَ الْخَاطِرِ مُطْمَئِنَّ الْقَلْبِ
(خَشْخَشَةَ السِّلَاحِ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: صَوْتَ صَدْمِ بَعْضِهِ بَعْضًا (فَقَالَ) أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (فَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) أَيْ: أَنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ (ثُمَّ نَامَ) زَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ: حَتَّى سَمِعْنَا غَطِيطَهُ، وَفِي الْحَدِيثِ الْأَخْذُ بِالْحَذَرِ وَالِاحْتِرَاسِ مِنَ الْعَدُوِّ، وَأَنَّ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَحْرُسُوا سُلْطَانَهُمْ خَشْيَةَ الْقَتْلِ، وَفِيهِ الثَّنَاءُ عَلَى مَنْ تَبَرَّعَ بِالْخَيْرِ وَتَسْمِيَتِهِ صَالِحًا، وَإِنَّمَا عَانَى النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ مَعَ قُوَّةِ تَوَكُّلِهِ توكل النبي ﷺ لِلِاسْتِنَانِ بِهِ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا اشْتَدَّ الْبَأْسُ كَانَ أَمَامَ الْكُلِّ، وَأَيْضًا فَالتَّوَكُّلُ لَا يُنَافِي تَعَاطِي الْأَسْبَابِ؛ لِأَنَّ التَّوَكُّلَ عَمَلُ الْقَلْبِ وَهِيَ عَمَلُ الْبَدَنِ.