آيات وعبر من قصة موسى مع فرعون وقومه واستضعاف فرعون لبني إسرائيل
لقد جعل الله ﷿ في قصة موسى ﵊ آيات وعبر يتعظ بها أهل الإيمان على الدوام، قال الله ﷿: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس:٨٧ - ٩٢].
يخبر الله ﷾ عن أمره لموسى وهارون بعدة أوامر تحتاجها الطائفة المؤمنة حين يتسلط عليها عدوها، وحين تكون مستضعفة في الأرض، وما جعل الله ذلك إلا خيراً لهم، قال رسول الله ﷺ: (عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له).
ولم يقدر الله ﷿ أن يتسلط فرعون على بني إسرائيل، ولا أن يتسلط كل ظالم وكافر على أهل الصلاح والإيمان إلا لأجل أن يزدادوا إيماناً وتسليماً؛ لأنه يحب ذلك، والكفرة أهون على الله من الجعلان، والدنيا بأسرها أهون على الله ﷿ من جناح بعوضة، ولو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها كأساً، وكيف لا، وقد مد الله ﷿ عمر أعتى أعدائه إبليس مدة الدنيا بأسرها، لا يموت فيها إلى يوم يبعثون؟ فإذا وجدت من يمد في عمره وسلطانه سنين، فلن يكون شيئاً بالنسبة إلى عمر إبليس، وإبليس أشد عداوة، وهو مصدر الكفر والشرك، والظلم، والفساد في الأرض بوسوسته لبني آدم، فإذا رأيت ذلك علمت أن الله ﷾ لهوان الدنيا عليه، وهوان الكفرة والمجرمين من أعدائه عليه، أعطاهم ما أعطاهم، وهو ﷾ قدر ذلك لتنفذ أوامره عن طريق أهل الإيمان، ليقتربوا من الله ﷿ أكثر.
قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ [يونس:٨٧] أي: اتخذا بيوتاً لقومكما، واعلما مواقع هذه البيوت، وذلك حتى تبقى هذه الرابطة بين النبي وبين أتباعه وبين أهل الإيمان بعضهم بعضاً، وذلك أن هذه الرابطة القوية والأخوة في الله ﷾، رابطة الحب في الله، هي من أعظم ما يهون على المؤمنين البلاء الذي يصيبهم في مرحلة استضعافهم.