قيمة الرجال بجوهرهم لا بمظهرهم
لقد علمنا النبي ﷺ أن قيمة الرجال بجوهرهم لا بمظهرهم، ونحن لا نقول هذا الكلام من أجل أن نقول للناس: انفشوا شعركم، والبسوا الثياب القذرة، أو تعمدوا لبس الثياب البالية، أو من كان عنده ثوب جديد فليمزقه وليصنع فيه الرقع، لا نقول هذا، لكن السياق الذي نتكلم فيه أن هؤلاء يشتغلون تماماً بمظاهر قشرية جوفاء ويغلون في ذلك، وينكرون على من يتمسك بسنة النبي ﷺ، بل يزدرون إخوانهم إذا كانوا أولاً فقراء، أو يتزهدون في لباسهم، أو يلبسون ثياب المتواضعين المخبتين إلى ربهم ﵎.
فقيم الإسلام وهدي النبي ﵊ ألا نعطي المظاهر هذا الحد من الاهتمام، وهذه القشور هي التي ينبغي التحذير منها لا الأمور التي يقصدون التنفير منها.
ومما علمناه رسول الله ﷺ أن قيمة الرجال بجوهرهم لا بمظهرهم بأعمالهم لا بأجسامهم.
فهذا أبو هريرة ﵁ يروي عن النبي ﷺ أنه قال: (رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره) رواه مسلم.
يعني: ما أكثر ما تجد رجلاً أشعث أغبر لا يلبس الثياب النفيسة ولا هو كذا وكذا وكذا، بل شعره متفرق وعليه الغبرة من التراب، والناس يزهدون في لقائه وفي دعوته إلى بيوتهم، بل يدفع عن الأبواب، لكنه في ميزان الله ﷾ وعند الله من أعظم أولياء الله، بحيث لو أقسم على الله لأبر الله قسمه؛ وذلك لعظم مكانه عند الله، ولأنه تزين بزينة الدين لا بزينة الدنيا، تزين بالخشوع والإخبات والتقوى والبر لا بالمظهرية الجوفاء.
فهذه هي موازين الإسلام ومن حاد عنها فهو المنحرف والمتطرف، فعن سهل بن سعد الساعدي ﵁: (أن النبي ﷺ مر عليه رجل فقال: ما تقولون في هذا؟ -وكان رجلاً جلداً قوياً مفتول العضلات، حسن الثياب والمظهر- قالوا: حري -أي: جدير- إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يستمع، ثم سكت فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال ﷺ ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري إن خطب ألا ينكح، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال ألا يستمع، فقال رسول الله ﷺ: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا) رواه البخاري.
يعني: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا الغني الأول.