حكم إسبال الثياب للنساء
عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقالت أم سلمة ﵂: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبراً) أما بالنسبة للرجل فإن هناك حد واجب يحرم تجاوزه، وحد مستحب، فالمستحب: أن يكون الثوب إلى نصف الساق، أما المباح فهو إلى حد الكعبين، وما زاد عن الكعبين يحرم أن يغطى بالثياب، كما في الحديث: (لا حق للإزار في الكعبين) أما ما فوق الكعبين فهو جائز.
(فقالت: إذاً تنكشف أقدامهن) أي: تنكشف أقدامهن إذا لزمن هذا الحد، (قال: فيرخينه ذراعاً) أي: ابتداء من الكعبين تقيس المرأة ذراعاً فترخيه، وهذا هو الجائز لهن (لا تزيد عليه).
فإذاً: من الخيلاء بالنسبة للمرأة أن تزيد في طول ثوبها على الذراع بعد الكعبين.
وعن أم سلمة ﵂ قالت: (سئل رسول الله ﷺ: كم تجرّ المرأة من ذيلها؟ قال: شبراً، قلت: إذاً تنكشف القدمان! قلت: ذراعاً؟! فقال ﷺ: ذراعاً لا تزيد عليه).
فالنبي ﵊ أذن لهن أن يزدن شبراً بعد الكعبين، ولما قالت له: (إذاً تنكشف القدمان!) أذن لهن في الإرخاء ذراعاً، ولا تزيد على الذراع، فكانت أوامره ﷺ تتوجه إلى الصحابة ﵃ الذين كانوا إذا سمعوا شيئاً بادروا إلى تطبيقه وامتثاله.
فرأت أم سلمة ﵂ أنها لا تستطيع أن تطبق هذا الأمر إلا إذا كشفت عن قدميها، وأم سلمة تعلم يقيناً أنه لا يجوز للمرأة أن تكشف عن قدميها، وتعلم أن النساء لا يجوز لهن أن يقصّرن ثيابهن بحيث تنكشف سوقهن أو أقدامهن، فكأنها خشيت من حصول هذا الأمر، فتأدبت مع النبي ﷺ، وسألته فقالت: كيف يصنع النساء بذيولهن؟ ولنتأمل مدى حرص المرأة المسلمة على الستر، وهذا نستفيده من هذا الحديث، فلما أذن لهن أن يرخين شبراً، قالت: (إذاً تنكشف أقدامهن)، فإنا لله وإنا إليه راجعون، كم في هذا الزمان من النساء اللاتي هانت عليهن أنفسهن وهن ينتسبن إلى الإسلام، فتجد الرجل يجرجر ثيابه أو قميصه أو سرواله، وتجد النساء قد حسرن هذه الثياب وكلما زاد انحسار الثوب زاد وصفها بالتقدم والتطور وعدم الرجعية والتخلف! الآن يتغطى الرجال وتنكشف النساء! انعكست الأحكام كما انعكست كثير من أحوالنا، يأمر النبي ﷺ بإعفاء اللحى وجز الشوارب فنجد الرجال يطلقون الشوارب ويحلقون اللحى! كذلك نجد النساء يكشفن عوراتهن، والرجال يتسترون ويبالغون حتى يؤدي الأمر إلى مخالفة نهي النبي ﷺ عن الإسبال، وهذا الطول في الثياب أصلاً من شأن النساء.
فهكذا كان الحياء في المؤمنات، ترى الرسول ﵇ في حديث الخطبة يقول للخاطب: (فإن استطعت أن ترى منها ما يدعوك إلى نكاحها فافعل)، فقوله: (إن استطعت) تدل أن هذا أمر شاق؛ لأن المرأة المسلمة لا تجود بما لا يكشفه لكل من شاء، بل هي تبالغ في التستر وفي حفظ نفسها وصيانة عوراتها، كما في الحديث: (المرأة عورة)، فيلزم ستر كل ما يطلق عليه اسم العورة، وفي الحديث: (المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان).
أيضاً: حينما نتأمل قول النبي ﷺ: (لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه يراها)، حيث إن النساء مع بعضهن البعض يكشفن على الأقل ثياب المهنة التي يلبسنها في البيت، فنهى النبي ﷺ أن المرأة ترى المرأة وهي غير محجبة فتذهب إلى زوجها أو قريبها فتصفها له كأنه يراها، فإن هذا من الذنوب العظيمة، ونحن الآن في هذا الزمان لا نحتاج إلى هذه الواسطة؛ فقد هانت المرأة على نفسها، وصارت رخيصة ومهينة، فهي التي تتطوع بعرض نفسها على كل من شاء من نصراني أو يهودي أو كافر أو فاجر، ولا تبالي بمن رآها، ولا تحتاج لامرأة واسطة تراها ثم تنعتها لزوجها، بل هي التي عرضت نفسها، وهانت لكل من شاء أن يراها، والله ﷾ يقول: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١]، فنهى المرأة أن تضرب برجلها ليسمع الناس صوت الخلاخيل في رجلها فيعلمون أنها تلبس الخلاخيل، فإذا كان هذا النهي في هذه الزينة الخفية في الأرجل فكيف الفتنة فيما تعرضه المرأة من وجهها أو سائر عوراتها؟! والله ﷾ يقول: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩]، قال المفسرون: (خَائِنَةَ الأَعْيُنِ): أن يكون الرجل في بيت الرجل، فإذا مرّت المرأة، فإن فطن له الحاضرون والجالسون معه غَضّ بصره وتخشّع، فإذا غفلوا عنه نظر إلى من يمر من النساء.
فهذه هي خائنة الأعين، فأين التحرز من خائنة الأعين في زماننا؟ كأن لم يبق لها وجود، فأصبح الرجل يجوز بنسائه وهُن يخالطن الرجال ويجالسنهم، وتحدث المصائب التي لا تخفى على الكثيرين.
ونعرف من الحديث السابق كيف كانت المرأة المسلمة عزيزة في نفسها، وكيف كانت غيرتها على نفسها، فلم تكن كالبضاعة أو كالسلعة التي تعرض للناظرين.
فـ أم سلمة انزعجت لما سمعت هذا الحكم، وهي تعلم يقيناً أن القدم من المرأة عورة، ولا يجوز كشف القدم، فلما سمعت نهي النبي ﷺ الرجال عن الإسبال قالت: (كيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبراً، قال: إذاً تنكشف القدمان! فقال: يرخين ذراعاً ولا يزدن عليه) فأقرها النبي ﷺ على أن قدم المرأة عورة.
يقول الإمام أحمد: كل شيء منها عورة -أي: المرأة- حتى ظفرها.
ومما يدل على ذلك قول النبي ﷺ: (يرخينه ذراعاً ولا يزدن عليه).
فليتق الله ﷾ أناس يسخرون من المؤمنات الصالحات التقيّات، فيتقدم هؤلاء الناس بين يدي الله ورسوله ﷺ، ويسخرون من المؤمنة التي تتحرى هذا الحد الذي حده رسول الله ﷺ، ومشهور عن هؤلاء السفهاء أنهم يقولون في حق المرأة التي تسدل ثيابها: هذه تكنس الشارع بثيابها!! ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف:٥] هذا استهزاء وتنكب وتحقير لقول النبي ﵌.
وإذا جاءتهم الموضات من أوروبا وسَنَّها لهم الفساق والفاسقات من بيوت الأزياء أو الممثلات أو أهل الفن فإنهم يقتدون بأولئك ويتناقلون هذه النظم في الثياب بمنتهى الانشراح، أما إذا أتى أمر رسول الله ﷺ فيخذلهم الشيطان، وينطق من أفواههم بهذه الكلمات الفظيعة، بأن يقول: هذه تكنس الشوارع! وهذا الكلام من التقدم بين يدي الله ورسوله، والله ﷾ يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، فينتفي اختيار الإنسان إذا أتى أمر الله وأمر رسوله ﷺ كما كان انقياد الصحابة ﵃ لأوامر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: والحاصل أن للرجال حالين -أي: فيما يجوز لهم-: الأول: حال استحباب وهو أن يقتصر بالإزار إلى نصف الساق.
الثاني: حال جواز وهو إلى الكعبين.
ونزيد حالة أخرى وهي حالة تحريمه، وذلك إذا نزل عن الكعبين.
وكذلك للنساء حالان: الأول: حال استحباب وهو الزيادة على ما هو جائز للرجال بقدر الشبر.
الثاني: حال جواز بقدر الذراع.
تقدم الكلام في طول الإزار أو الثوب، وتحريم الزيادة على الكعبين خاص بالرجال فقط، أما طول الثياب بالنسبة للنساء فقد حدّ له النبي ﷺ حداً محدودا ًزائداً على حد ثياب الرجال.