الدرجات وحط الخطايا
وعن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة -أو قال: قلت: أخبرني بأحب الأعمال إلى الله- فسكت، ثم سألته فسكت، ثم سألته الثالثة، فقال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ، فقال: (عليك بكثرة السجود لله؛ فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط بها عنك خطيئة).
قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء فسألته، فقال لي مثل ما قال لي ثوبان.
وهذا الحديث أخرجه مسلم واللفظ له، والنسائي وابن ماجة والترمذي.
هذا الحديث يدل على فضيلة عظيمة لصلاة التطوع، وإنما استدللنا به على فضيلة صلاة التطوع رغم أنه يشمل الفرائض، بسبب قوله ﷺ هنا (عليك بكثرة السجود لله)، فالفرائض غير قابلة للزيادة على ما شرع الله فيها، أما التطوع فمنه ما هو مقيد، ومنه ما هو مطلق، فهذا ترغيب في كثرة التطوع لله ﷾.
فقول النبي ﷺ: (عليك بكثرة السجود لله)، المقصود به: عليك بالإكثار من صلاة التطوع، وفي بعض الأحاديث يقول ﵊: (الصلاة خير موضوع، فمن شاء فليستقل ومن شاء فليستكثر)، وهنا قال: (عليك بكثرة السجود لله)، فالمراد بالسجود صلوات التطوع؛ لأن السجود لغير صلاة أو السجود بلا سبب غير مرغب فيه على انفراده، ومن العلماء من يجيز التعبد بالسجدة المفردة، لكن عامة العلماء يمنعون ذلك.
والسجود وإن كان يصدق على الفرض لكن الإتيان بالفرائض لابد منه لكل مسلم، وإنما أرشده الرسول ﷺ هنا في هذا الحديث إلى شيء يختص به، وينال به ما طلبه من دخول الجنة؛ حيث ذكر له أحب الأعمال إلى الله ﷾.
والسر في التعبير عن الركعة بالسجود: أن السجود أكثر أعمال الصلاة تحققاً في العبودية لله ﷿، فإنه مظهر لانكسار النفس وذلها لربها ﵎.
وفيه يتحقق معنىً من أعظم معاني العبودية، وهو الخضوع لله ﷿؛ حيث إن حقيقة العبادة تمام الحب مع تمام الخضوع والذل.
وأي نفس انكسرت وذلت لله ﷿ استحقت الرحمة.
وأيضاً ورد في فضيلة السجود قول النبي ﷺ: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد؛ فأكثروا الدعاء)، يعني: أكثروا الدعاء في السجود.