باب في الصدقة بلحوم الهدي وجلودها وجلالها
الباب الواحد والستون: باب في الصدقة بلحوم الهدي وجلودها وجلالها.
قال: [قال علي: (أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه)]، البدن: جمع بدنة، والبدنة في اللغة تطلق على البقرة والبعير والشاة، ولكنها عند الإطلاق تطلق على البعير فقط، قال علي ﵁: [(أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه، وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها، وألا أعطي الجزار منها شيئاً)].
يعني: أجر الجزارة تكون مالاً، فلا يأخذ الجزار شيئاً من الذبيحة، وهذا الحكم ينسحب على الأضاحي، لكن النبي ﵊ قال: (كنت نهيتكم عن الادخار فوق ثلاث).
يعني: كان حتى لو بقي ولم يتلف لا يأكله.
ثم أتى الناسخ لهذا الحديث وهو قوله ﵊: (كنت نهيتكم عن الادخار فوق ثلاث ألا فكلوا وادخروا)، يعني: الآن كلوا وادخروا بخلاف الأول فإنه لم يكن يحل لأحد أن يدخر فوق ثلاثة أيام.
ولا يعطى الجزار على سبيل الإجارة والعوض منها شيئاً، فإذا سقت الهدي من الميقات، وقلدته وأشعرته فقد أوقفته على الله ﷿، فهو كالنذر تماماً، فلا يجوز لك أن تبيع شيئاً من هذه الذبيحة، ولا ترم حتى الظفر ولا ينتفع به أحد، ويحرم عليك أن تبيع شيئاً من النذر أو الأضحية أو العقيقة أو الهدي، وأما النذر فيحرم عليك أن تأكل منه شيئاً؛ لأنك نذرتها لله ﷿، وإن كان النذر مكروهاً؛ لأن النذر إنما يستخرج به من البخيل.
والبخيل جعل الله ﵎ أهون الناظرين إليه، وأهون أصحاب الحقوق عليه، فظل يلتمس لنفسه الأعذار حتى يتخلص من أداء حق الله ﷿ له.
فلا يجوز للناذر أن يأكل من نذره شيئاً، ولا من يعولهم، أي: من تلزمه نفقتهم، ويجب إخراج النذر كله لله ﷿، دون أن ينتفع منه بشيء إلا بالثواب الذي دفعه للتخلص من هذا النذر لله ﷿.
أما الأضحية فلك أن تأكل منها، وتهدي وتتصدق منها قياساً على الهدي، فإن للمهدي أن يأكل من هديه، وأن يتصدق منه بالثلث الثاني، وأن يهدي منه الثلث الثالث، فإن تصدق بها كلها كما فعل النبي ﵊ فهو حسن، وهذا عين الكمال والتمام، والنبي ﵊ ذبح عدداً عظيماً جداً بلغ ستين ناقة، وأمر علي بن أبي طالب أن يتصدق بكل شيء فيها بحيث لا يبقي منها شيئاً، وهذا عين الكمال والتمام الذي لا يكاد يصدر إلا عن النبي ﵊ وأصحابه الكرام.
والشاة لا يصح فيها الشراكة، وأما البدنة التي هي البعير أو البقرة، فإنها تصح وتشرع لسبعة، وللآكل أن يأكل من الهدي ما شاء.
وسن الحياة محل خلاف؛ لأن تحديد السن ليس فيه دليل، وأقل عمر الشاة أن يكون ثمانية شهور، وأكثره ألا يزيد عن سنة، لكن لو أنه قدم أقل من ثمان، أو أكثر من عام فإنه يجزئ؛ لأنه لا دليل في التنصيص على هذه القضية المعينة.