تفسير قوله تعالى: (قال لو أن لي بكم قوةً أو آوي إلى ركن شديد)
قال تعالى: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠].
((قال لو أن لي بكم قوة)) أي: لو كنت أستطيع أن أدفعكم وأقاتلكم جميعاً ببدني، أو عندي أولاد كثيرون أستطيع أن أدفعكم بهم، ما كنت قصرت في دفعكم.
((أو آوي إلى ركن شديد)) أي: عشيرة كثيرة؛ لأنه كان غريباً عن قومه ﵇، فشبه القبيلة والعشيرة بركن الجبل في الشدة والمنعة.
وتقدير
الجواب
لو أن لي بكم قوة بنفسي أو بولدي أو كان لي قبيلة عزيزة منيعة لفعلت بكم ما فعلت وصنعت ما صنعت، ولكففتكم عما تريدون.
قال الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى في الملل: ظن بعض الفرق أن ما جاء في الحديث الصحيح الذي في البخاري من قوله ﷺ: (رحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد)، إنكار على لوط ﵇ بقوله: ((أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ))، ولا تخالف بين القولين بل كلاهما حق؛ لأن لوطاً ﵇ إنما أراد منعة عاجلة يمنع بها قومه مما هم عليه من الفواحش، من قرابة أو عشيرة أو أتباع مؤمنين، وما جهل قط لوط ﵇ أنه يأوي من ربه تعالى إلى آكد قوة وأشد ركن، ولا جناح على لوط ﵇ في طلب قوة من الناس؛ لأن الله ﷾ قال: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١].
فهذا هو الذي طلبه لوط ﵇، فكونه يستغيث أو يستنجد ببشر فيما يقوى عليه البشر، لا حرج فيه شرعاً؛ لأن هذا من دفع الله الناس بعضهم ببعض.
وقد طلب رسول الله ﷺ من الأنصار والمهاجرين منعه وحمايته حتى يبلغ كلام ربه تعالى: (من يؤويني؟ من ينصرني؟ حتى أبلغ رسالة ربي)، فكيف ينكر على لوط أمراً فعله هو ﷺ؟ إذاً ليس المقصود من الحديث الإنكار على لوط ﵇، وإنما أخبر أن لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد من نصر الله له بالملائكة، ولم يكن لوط علم بذلك، أي: لم يكن قد شعر أن الملائكة في هذه اللحظة ما جاءت إلا لتنصره، وما جاءت إلا لتنتقم منهم بأمر الله.
ثم يقول ابن حزم رحمه الله تعالى: ومن اعتقد أن لوطاً كان يعتقد أنه ليس له من الله ركن شديد فقد كفر، إذ نسب إلى نبي من الأنبياء هذا الكفر، وهذا أيضاً ظن سخيف، إذ من الممتنع أن يظن بربه -الذي أراه المعجزات وهو دائماً يدعو إليه- هذا الظن.