تفسير قوله تعالى: (ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى)
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الدَّرَجَاتُ الْعُلا﴾ [طه:٧٥].
((وَمَنْ يَأْتِهِ)) يوم القيامة في حال كونه مؤمناً ((قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ)) أي: في الدنيا حتى مات على ذلك ((فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ)) أي: عند الله ((الدَّرَجَاتُ الْعُلا)) والعلا: جمع عليا، وهي تأنيث الأعلى، وورد هذا المعنى في قوله ﷿ أيضاً: ﴿وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٢١]، وقال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام:١٣٢]، ونحو ذلك من الآيات.
يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ((قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ)) أي: لن نختارك بالإيمان والاتباع (على ما جاءنا) أي: من الله على يد موسى ((مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا)) أي: وهذا الذي خلقنا، واختيار هذا الوقف للإشعار بعلة الحكم، فلم يقولوا مثلاً: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ وعلى ربنا، أو: وعلى الله، وإنما قالوا: ((وَالَّذِي فَطَرَنَا)) يعني: لن نؤثرك على الذي فطرك، فاختيار الوقف على أن الله الذي خلقهم وفطرهم للإشعار بعلة الحكم؛ فإن خالقيته تعالى لهم، وكون فرعون من جملة مخلوقاته، مما يوجب إيثارهم عليه ﷾، وهذا جواب منهم لتوبيخ فرعون بقوله: ﴿آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [الأعراف:١٢٣]، فأجابوا بقولهم: ((قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا)) يعني: هو الذي خلقنا، فهو أحق أن نؤمن به، أما أنت فلست سوى مخلوق مثلنا، فكيف نعبدك؟! وكيف نحتاج إلى إذنك قبل أن يدخل الإيمان قلوبنا؟! وقيل: إن قوله: ((وَالَّذِي فَطَرَنَا)) قسم محذوف الجواب، ((فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ)) أي: اصنع ما أنت صانع، وهذا جواب عن قوله لهم: ﴿لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [الأعراف:١٢٤].
((إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)) أي: تقضي في هذه الحياة الدنيا، وهي لا بقاء لها، ولا سلطان لك بعدها، وإنما نريد الآخرة: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧٣] أي: خير وأبقى ثواباً، ((إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا)) يعني: فينقضي عذابه (ولا يحيا) أي: حياة طيبة.
﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الدَّرَجَاتُ الْعُلا﴾ [طه:٧٥] أي: المنازل الرفيعة بسبب إيمانهم وعملهم الصالح.