حقيقة تكليم الله لموسى ﵇
قوله تعالى: ((وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)) يعني: خاطبه مخاطبة من غير واسطة؛ لأن تأكيد الكلام بالمصدر يدل على تحقيق الكلام، ولا يمكن أن يوجد هنا احتمال مجاز بل هو كلام حقيقي بلا واسطة، وموسى ﵇ سمع كلام الله تعالى بلا شك؛ لأن أفعال المجاز لا تؤكد بالمصادر، هذا على القول بوجود المجاز في القرآن الكريم.
فإذا أراد إنسان أن يتكلم بالمجاز فلا يؤكده بالمصدر أبداً؛ لأنه لا يستعمل التأكيد بالمصدر إلا في الحقيقة، وهذا فيه رد على من يقول: إن الله خلق كلاماً في محل فسمع موسى ذلك الكلام.
وقال الفراء: العرب تسمي كل ما يوصل إلى الإنسان كلاماً بأي طريق وصل؛ لكن لا تحققه بالمصدر، وإذا حقق بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام، فدل قوله تعالى: ((تكليماً)) على أن موسى قد سمع كلام الله حقيقة من غير واسطة.
قال بعضهم: كما أن الله تعالى خص موسى ﵇ بالتكليم وشرفه به، ولم يكن ذلك قادحاً في نبوة غيره من الأنبياء.
يعني: كون موسى ﵇ فضله الله بالكلام على غيره من الأنبياء، فهل يعد هذا قدحاً في بقية الأنبياء؟ لا، فالله ﷾ يفضل بعض الرسل على بعض، منهم من كلم الله كموسى ﵇.
قال: فكذلك إنزال التوراة على موسى ﵇ جملة واحدة لا يكون قادحاً في نبوة غيره من الأنبياء.
والسياق هنا في الرد على اليهود: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [النساء:١٥٣]، وقالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان:٣٢]، فكما أن موسى ﵇ كلمه الله، ولم يكن تفضيله بالكلام قادحاً في نبوة غيره، كذلك لم يكن تخصيصه بإنزال التوراة جملة واحدة قادحاً في نبوة غيره من الأنبياء، وهذه الإشارة مأخوذة من قوله تعالى: ((وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)).