الرد على شبهة من استدل بقوله تعالى ((ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله)) على جواز المجيء إلى قبر النبي ﷺ لطلب الاستغفار
السؤال
نرجو منكم توضيح قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء:٦٤] الآية، حيث أن بعض المنتسبين لأهل العلم يحملها على ظاهرها من جواز الإتيان إلى النبي ﷺ في حياته وبعد وفاته، حتى إننا رجعنا إلى كثير من تفاسير المتقدمين فلم نجد أحداً منهم تطرق لهذه القضية، وهي أنها خاصة في حياته لا بعد موته، وأن من سأله بعد موته فهو شرك صريح، والعجب أن ابن كثير ﵀ ذكر قصة العتبي في هذه الآية ولم يتعقبها لا إسناداً ولا متناً، فزادنا حيرة، فنرجو منكم الرد على هذه الشبهة من جميع النواحي، حتى من الناحية اللغوية إذ إن بعضهم قال: إذ هذه شرطية تفيد العموم مثل: إذ دخلت المسجد فاقرأ قرآناً، فهي عامة في أي وقت، فنرجو منكم ذكر من رد على هذه الشبهة من المتقدمين وبارك الله فيكم؟
الجواب
أولاً: الآيات هي في المنافقين، والضمير في قوله: ((وَلَوْ أَنَّهُمْ)) عائد على المنافقين؛ لأن سياق الآيات في المنافقين، يقول الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٠ - ٦٤]، ومعلوم أن هذا إنما هو في حياته ﷺ، وكونهم يأتون إليه ويتوبون ويطلبون منه أن يستغفر لهم إنما يكون ذلك في حياته ﵊، وأما بعد وفاته ﵊ فلم ينقل عن أحد من أصحابه الكرام ﵃ وأرضاهم أنه جاء إليه عند قبره وطلب منه أن يستغفر له، وإنما كانوا يأتون إليه في حياته ﷺ فكانوا إذا حصل جدب وقحط يطلبون منه الدعاء أن يغيثهم الله فيغيثهم الله، فلما توفي رسول الله ﷺ وحصل الجدب في زمن عمر طلب من العباس أن يدعو وقال: (اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون).
فلو كان الأمر جائزاً وأنه لا فرق بين الحياة ولا بين الممات لما تركوا الذهاب إليه ولطلبوا منه كما كانوا يطلبون منه في الحياة، فلما عدلوا عن ذلك وصاروا إلى الطلب من الأحياء، واختار عمر ﵁ أقرب قريب لرسول الله ﷺ وهو عمه العباس بن عبد المطلب وقوله: (بعم نبينا) يفيد وجه اختيار العباس وهي عمومته للنبي ﷺ؛ لأنه ما قال: وإنا نتوسل إليك بـ العباس؛ لأن المقصود هو عمومته للنبي ﷺ وقرابته منه.
وكذلك أيضاً جاء في صحيح البخاري في كتاب المرضى: عن عائشة ﵂ قالت: (وا رأساه قال: ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك) يعني: لو مت قبلي دعوت لك واستغفرت لك، فقوله هذا الكلام يبين بأن دعاءه واستغفاره إنما هو في حال حياته ﷺ، ولو كان ليس هناك فرق بين الحياة والموت لما كان هناك حاجة إلى أن يقول هذا الكلام؛ لأنه سواءً سبقها بالموت أو سبقته بالموت فإنه يستغفر لها، هذا إذا كان الأمر أنه لا فرق بين الحياة والموت لكنه قال: (لو كان ذاك وأنا حي دعوت لك واستغفرت لك)، وهذا جاء في صحيح البخاري في كتاب المرضى: باب قول المريض: وا رأساه، وهو يدل على أن استغفار النبي ﷺ إنما هو في حياته، وبعد وفاته قد عرفنا في الحديث أنه عندما يذاد أناس عن الحوض يقال له: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك).
أما قصة العتبي التي أوردها ابن كثير ولم يتعقبها بشيء لا يعول عليها؛ لأنها قصة منام، والمنامات ليست بعبرة ولا يعول عليها، هذا لو ثبتت فكيف وثبوتها فيه شك وفيه نظر.