شرح حديث (صحبت النبي فلم أسمع لحشرة الأرض تحريماً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في أكل حشرات الأرض.
حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا غالب بن حجرة حدثني ملقام بن تلب عن أبيه ﵁ قال: (صحبت النبي ﵌، فلم أسمع لحشرة الأرض تحريماً)].
قوله: [باب: في أكل حشرات الأرض] حشرات الأرض هي الدواب التي منها: القنفذ ومنها: الضب، ومنها غير ذلك، ومعلوم أن منها ما جاءت السنة بحله كالضب، ومنها أشياء ممنوعة؛ لما فيها من فساد وضرر مثل ذوات السموم وغيرها، ومنها: ما هو مسكوت عنه، أما الضفدع والسلحفاة فلا أعرف عنهما شيئاً.
أورد أبو داود حديث تلب صاحب رسول الله ﷺ أنه قال: [(صحبت النبي ﷺ فلم أسمع لحشرة الأرض تحريماً)] يعني: لم يسمع فيها شيئاً من التحريم، وهذا إخبار عما يعلمه، وهذا لا ينافي أن يكون غيره علم شيئاً وأخبر به؛ لأن الصحابة ﵃ وأرضاهم يحضرون مجالسه ﷺ، فيحضره من يحضر، ويغيب عنه من يغيب، ويحصل في أحد المجالس بيان حكم شيء وبيان تحريمه، فيكون الذي لم يحضر لا يعلم شيئاً ولم يسمع شيئاً بالتحريم، ويكون الذي حضر علم بالتحريم، فأخبر الذي لم يحضر عن علمه بأنه لم يسمع، وأما غيره فإنه وقف على ما لم يقف عليه غيره، أو اطلع على ما لم يطلع عليه غيره، ومما يوضح أن الرسول ﷺ يحصل منه الحديث، فيعلمه واحد من أصحابه ولا يعلمه كثير من الصحابة الحديث الذي فيه: أن عمر بن الخطاب ﵁ لما ذهب إلى الشام، وفي أثناء الطريق لقيه أبو عبيدة وأمراء الأجناد، فقالوا: إن الطاعون وقع بالشام، وانقسموا إلى قسمين: منهم من يقول: ارجع بالناس ولا تدخل على الطاعون، ومنهم من يقول: ادخل، فـ عمر ﵁ استشار المهاجرين والأنصار ومسلمة الفتح، فقال: ادعوا لي المهاجرين، فدعوا المهاجرين فسألهم ولم يكن عندهم علم عن النبي ﷺ في ذلك، فقال بعضهم: نرى أنك تدخل وأنك جئت لأمر فلا ترجع دونه، وقال بعضهم: معك أصحاب رسول الله ﷺ فلا تعرضهم للموت فتدخل بهم على الطاعون، فقال: ارتفعوا عني، وادعوا لي الأنصار، فأتي بالأنصار فاستشارهم، وصار جوابهم مثل جواب المهاجرين، منهم من قال: ادخل، ومنهم من قال: ارجع، ثم قال: ادعو لي مشيخة قريش من مسلمة الفتح، فدعوا له، فاتفق رأيهم على أنه يرجع ولم يختلفوا، ولم يكن عند جميعهم نص عن رسول الله ﵊ وإنما اجتهاد.
ثم عمر ﵁ لما أخذ ما عند هؤلاء وهؤلاء وهؤلاء، عزم على أن يرجع، وأداه اجتهاده إلى أنه يرجع، فقال: إني مصبح على ظهر، فقال له أبو عبيدة: تفر من قدر الله يا أمير المؤمنين؟ وكان ممن يرى ألا يرجع، فقال له: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، وكان عبد الرحمن بن عوف متغيباً في بعض حاجته، فلما جاء وعلم بالذي حصل قال: عندي علم في ذلك عن رسول الله ﷺ، سمعت رسول الله ﵊ يقول: (إذا وقع الطاعون وأنتم في بلد فلا تخرجوا فراراً منه، وإن وقع في بلد فلا تدخلوا عليه) فبلغ ذلك عمر فسر؛ لأن اجتهاده وافق ما جاء عن رسول الله ﷺ.
الشاهد: أن عبد الرحمن بن عوف هو الذي كان عنده علم بهذه السنة، وكل هؤلاء الحاضرين ما عندهم علم بها.
وقوله هنا: [(صحبت رسول الله ﷺ فلم أسمع لحشرة الأرض تحريماً) هذا على حسب ما علمه، ولكن ذلك لا ينفي ولا يمنع أن يكون غيره علم ما لم يعلم.
وقوله: (لم أسمع) لا شك أن هذا من الأدب؛ لأن كون الإنسان يحكم على شيء لم يحط به علماً هذا خطأٌ.