شرح حديث (خذها فلعمري لمن أكل برقية باطل لقد أكلت برقية حق)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن زكريا قال: حدثني عامر عن خارجة بن الصلت التميمي عن عمه ﵁ (أنه أتى رسول الله ﵌ فأسلم، ثم أقبل راجعاً من عنده فمر على قوم عندهم رجل مجنون موثق بالحديد، فقال أهله: إنا حدثنا أن صاحبكم هذا قد جاء بخير، فهل عندك شيء تداويه؟ فرقيته بفاتحة الكتاب فبرئ، فأعطوني مائة شاة، فأتيت رسول الله ﵌ فأخبرته فقال: هل إلا هذا؟ وقال مسدد في موضع آخر: هل قلت غير هذا؟ قلت: لا، قال: خذها، فلعمري لمن أكل برقية باطل لقد أكلت برقية حق)].
أورد أبو داود هذا الحديث عن عم خارجة بن الصلت رضي الله تعالى عنه أنه جاء إلى النبي ﷺ وأسلم، ورجع فلقي قوماً عندهم رجل مجنون به مس موثق بالحديد، فقالوا إنك جئت من عند هذا الرجل فهل عندك من شيء تعالجه به؟ فقال: نعم، فرقاه بفاتحة الكتاب فشفي، فأعطوه مائة من الغنم، فأخبر النبي ﷺ فقال له: (خذها، فلعمري لمن أكل برقية باطل لقد أكلت برقية حق)، وهذا يدل على مشروعية الرقية بفاتحة الكتاب، وأن أخذ شيء على الرقية سائغ؛ لأن هذا من قبيل العلاج، ومعلوم أن العلاج يكون بالقرآن وغير القرآن كالأدعية والأدوية التي أودع الله تعالى فيها الشفاء، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، فأخذ الأجرة مقابل ذلك لا بأس به.
قوله: [فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: (هل إلا هذا؟)].
يعني: ألم يحصل منك غير هذا الذي قلته من الرقية بفاتحة الكتاب؟ قوله: [وقال مسدد في موضع آخر (هل قلت غير هذا؟ قلت: لا، قال: خذها)].
أي: أن الرسول ﷺ أراد التحقق من أن الرقية إنما كانت بهذا الأمر السائغ، وأنه ليس هناك شيء وراءه مما يحذر، فقد اقتصر على الرقية بفاتحة الكتاب، وفاتحة الكتاب من خير ما يرقى به؛ لأنها أم القرآن، وأم الكتاب، وفاتحة القرآن.
قوله: [(قال: خذها، فلعمري)].
وهذا فيه دليل على أن (لعمري) ليست قسماً، وإنما هي من ألفاظ التأكيد يؤتى بها لتأكيد الكلام، وهي مثل لا جرم وحقاً وغير ذلك من العبارات التي يؤكد بها الكلام وليست بقسم، وقد جاءت في حديث الرسول ﷺ وفي كلام الصحابة، وجاءت في كلام من بعدهم من التابعين وغيرهم إلى زمننا هذا، وقد كان الشيخ محمد بن إبراهيم رحمة الله عليه في بعض مؤلفاته يستعملها فيقول: لعمري كذا، ولعمري كذا، وقد قالها في رده على ابن محمود ﵀ قاضي قطر الذي ألف كتاباً في جواز الرمي أيام التشريق قبل الزوال، فالشيخ محمد بن إبراهيم رد عليه في رسالة سماها (تحذير الناسك مما أحدثه ابن محمود في المناسك)، وعائشة ﵂ قالت: لعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة.
وهؤلاء القوم الذين مر بهم هذا الصحابي كفار، بدليل قولهم: صاحبكم هذا، فهي تدل على أنهم ليسوا مسلمين، فهذه العبارة يقولها من ليس بمسلم، وقد جاء عن مسليمة أنه قال: إن صاحبكم كذا، ويريد النبي ﷺ.