حكم الاحتجاج على جواز الصلاة في المساجد التي فيها قبور بوجود قبر النبي في المسجد
السؤال
يحتج كثير من الناس بجواز الصلاة في المساجد التي فيها قبور بوجود قبر رسول ﷺ في مسجده، فهو داخل في التوسعة ولاسيما بعد وضع الأبواب والسور، فما الجواب عن هذه الشبهة؟
الجواب
لا يجوز الاحتجاج بهذا، وإنما يجب الاحتجاج بالأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ، فهي التي يعول عليها، ومن ذلك حديث جندب بن عبد الله البجلي في صحيح مسلم قال: سمعت رسول ﷺ قبل أن يموت بخمس يقول: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً) ثم قال ﵊: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) هذا الكلام الذي قاله الرسول ﷺ في هذا الحديث فيه تأكيد النهي عن اتخاذ القبور مساجد من وجوه متعددة: الأول: قوله: (ألا وإن من كان قبلكم) هذا فيه تنبيه إلى أن هذا فُعل من قبل في الأمم السابقة، وأن على الأمة ألا تقلدها في ذلك ولا تتابعها في ذلك.
الثاني: قوله: (ألا فلا تتخذوا القبور مساجد) وهذا نهي، ثم أكد ذلك بقوله: (فإني أنهاكم عن ذلك) تأكيد بعد تأكيد، وهذا من كمال بيانه ﵊ وكمال نصحه لأمته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وكذلك الحديث الذي قاله الرسول ﷺ وهو في النزع، فقد جاء في الحديث الصحيح عن عائشة أن النبي ﷺ كان في مرض موته على وجهه خميصة، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) فهذه الأدلة هي التي يجب العمل بها.
وأما قبر الرسول ﷺ فإنه لم يكن في المسجد، والرسول ﷺ هو الذي بنى المسجد وليس فيه قبر، وبنى بيوته بجوار المسجد، وكان في بيوته يجامع أهله، وكانت نساؤه تحيض فيها، وهذا يدل على أنها ليست في المسجد، وأنها خارج المسجد، فالمسجد شيء والبيوت شيء آخر.
ولما توفي رسول ﷺ توفي في بيت عائشة، فالصحابة ﵃ وأرضاهم تذاكروا فيما بينهم ماذا يصنعون برسول الله ﵊، أين يدفنونه، هل يدفنونه في البقيع أو في أي مكان يدفنونه؟ فروى بعضهم أن النبي ﵊ قال: (إن الأنبياء يدفنون حيث يموتون) أي: أن المكان الذي يموت فيه النبي يدفن فيه، فمكان موته هو مكان دفنه.
ولما كان ﵊ قد قبضت روحه في بيت عائشة دفنوه في بيت عائشة، وكان ذلك البيت خارج المسجد، وبقي خارج المسجد في عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، وفي زمن معاوية ﵁ عشرين سنة، وكانت مدة الخلفاء الراشدين ثلاثين سنة، ومعاوية كانت خلافته عشرين سنة، إلى سنة ستين، ثم بعد ذلك أيضاً ظل الأمر كذلك سنوات أخرى في عهد الذين جاءوا بعده، ولما جاء زمن الوليد بني المسجد من جديد ووسع فيه ودخلت فيه قبور الرسول ﷺ وصاحبيه، وعلى هذا فلا يجوز أن يحتج بهذا العمل الذي حصل في زمن بني أمية حيث أدخل القبر في المسجد، بل يجب الاحتجاج بالأحاديث الصحيحة الثابتة عن الرسول ﷺ.
ومسجد الرسول ﷺ الصلاة فيه بألف صلاة، سواء أدخلوا القبر أو ما أدخلوه، لكن لا يجوز أن يحتج بدخوله والعمل الذي حصل من بني أمية لا يتخذ حجة لأجل أن تبنى المساجد على القبور، أو ليدفن الموتى في المساجد، فإن ذلك لا يجوز، بل الواجب هو العمل بما جاءت به السنة عن رسول الله ﵊، والسنة جاءت بالتحذير من ذلك، والرسول ﷺ حذر منه قبل موته بخمس ليالٍ، وعند موته ﷺ، وهذا من كمال بيانه وكمال نصحه وشفقته على أمته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
فالحاصل: أن الصلاة في هذا المسجد بألف صلاة دخل القبر أو ما دخل، ولا يجوز أن نحتج بدخوله في عهد بني أمية ووجوده فيما بعد ذلك على أن الناس يبنون المساجد على القبور أو يدفنون الموتى في المساجد، بل الواجب عليهم أن يمتثلوا ما جاء عن النبي ﵊، وأن يتقوا الله، وتقوى الله ﷿ تكون بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ومن نواهيه التي نهى عنها في آخر أيامه بل أواخر لحظاته ﵊ ألا يتخذ الناس القبور مساجد.
والمسجد الذي دفن فيه ميت لا يجوز أن يصلى فيه، وأما إذا صلي فيه فهل تصح الصلاة أو لا تصح؟ هناك خلاف بين أهل العلم، فمنهم من يصححها ومنهم من لا يصححها، ولكن الواجب هو الابتعاد.