شرح حديث سعيد بن زيد في ذكر العشرة من أهل الجنة من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو كامل حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا صدقة بن المثنى النخعي حدثني جدي رياح بن الحارث قال: (كنت قاعداً عند فلان في مسجد الكوفة وعنده أهل الكوفة، فجاء سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، فرحب به وحياه وأقعده عند رجله على السرير، فجاء رجل من أهل الكوفة يقال له: قيس بن علقمة، فاستقبله فسب وسب، فقال سعيد: من يسب هذا الرجل؟! فقال: يسب علياً، قال: ألا أرى أصحاب رسول الله ﷺ يسبون عندك ثم لا تنكر ولا تغير؟! أنا سمعت رسول الله ﷺ يقول -وإني لغني أن أقول عليه ما لم يقل فيسألني عنه غداً إذا لقيته-: أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة وساق معناه، ثم قال: لمشهد رجل مع رسول الله ﵌ يغبر فيه وجهه خير من عمل أحدكم عمره ولو عمر عمر نوح)].
أورد أبو داود حديث سعيد بن زيد من طريق أخرى وفيه أن فلاناً وهو لم يسم، ولعله يشير بذلك إلى أمير الكوفة المغيرة بن شعبة، وأنه جاء فحياه ورحب به، يعني: المغيرة رحب بـ سعيد بن زيد وأجلسه معه، ثم جاء رجل يقال له قيس بن علقمة، فسب وسب، فقال: من يسب هذا؟! قالوا: علياً، فقال: ما هذا؟! يعني: كيف يسب أصحاب الرسول ﷺ وأنت لا تنكر ولا تغير؟! ثم قال: أشهد على رسول الله ﷺ أنه قال: (عشرة في الجنة) وإني لغني عن أن أقول عليه ما لم يقل، يعني: أنه لا يكذب على الرسول ﷺ ولا يضيف إليه شيئاً لم يقله، وهذا يدل على تثبته وعلى تحققه مما يحدث به ومما يخبر به، ثم ذكر معنى الحديث المتقدم، ثم قال: (لمشهد رجل منهم مع رسول الله ﷺ يغبر فيه وجهه خير من عمل أحدكم عمره ولو عمر عمر نوح) يعني: أن عمل الرجل من أصحاب الرسول ﷺ مع رسول الله ﷺ في غزواته وفي جهاده لا يساويه عمل الكثير ممن جاء بعدهم؛ وذلك لأن الذي حصل منهم إنما حصل لنصرة الرسول ﷺ والذب عنه ونشر دينه والأخذ عنه والتلقي عنه.
قوله: [(لمشهد)] معناه: كونه يشهد غزوة من الغزوات فيحصل له الغبار في وجهه بسبب هذه الغزوة؛ شأن ذلك عظيم عند الله ﷿.
(خير من عمل أحدكم عمره ولو عمر عمر نوح) ومدة دعوة نوح ﵇ تسعمائة وخمسين سنة ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت:١٤] وهذا قبل أن يبعث ويرسل إلى قومه، ومعنى ذلك: أن العمل القليل من أصحاب الرسول ﷺ لا يساويه عمل الكثير من غيرهم، وهذا يدل على فضلهم ونبلهم ﵃ وأرضاهم، والمقصود بالمشهد: مشاهد الغزوات، ولهذا يأتي في تراجم الرجال من أصحاب الرسول ﷺ: وشهد المشاهد كلها، يعني: شهد الغزوات كلها مع رسول الله ﷺ.
أما طعن هذا الرجل في علي ﵁ وسبه أمام المغيرة وسكوته عنه وعدم إنكاره عليه لا ندري به، لكن المظنون بأصحاب الرسول ﷺ واللائق بهم أنهم على أحسن حال، ويجب أن تحسن بهم الظنون ولا يذكرون إلا بخير.