شرح حديث الاستفتاح بـ (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل)
قال المصنف ﵀: [حدثنا ابن المثنى حدثنا عمر بن يونس حدثنا عكرمة حدثني يحيى بن أبي كثير حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشة ﵂: بأي شيء كان نبي الله ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: (كان إذا قام من الليل يفتتح صلاته: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك أنت تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)].
أورد أبو داود حديث عائشة ﵂ وفيه صفة أخرى من صفات دعاء الاستفتاح الذي كان يدعو به ﷺ في صلاته عندما يقوم من الليل، وهو أنه ﷺ كان يقول: [(اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)].
وهذا توسل إلى الله ﷿ بربوبيته لجبريل وميكائيل وإسرافيل، وهم من أشراف الملائكة، وقيل: إنه ذكر هؤلاء الثلاثة وتوسل إلى الله ﷿ بربوبيته لهم لأن جبريل موكل بالوحي الذي به حياة القلوب، وميكائيل موكل بالقطر الذي به حياة الأبدان، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي به الحياة بعد الموت والبعث بعد الموت، ثم بعد ذكر ربوبيته لجبريل وميكائيل وإسرافيل أثنى على الله ﷿ بما هو أهله فقال: [(فاطر السموات والأرض)].
يعني: فاطرهما وموجدهما.
وقوله: [(عالم الغيب والشهادة)] يعني: يعلم ما غاب وما خفي، ما كان علانيةً وما كان سراً وخفياً، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧].
قوله: [(أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون)].
يعني: أنت المرجع في الحكم، لا حكم إلا حكمك.
والله ﷿ والله ﷿ يقول: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، ويقول ﷿: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩].
ثم بعد ذلك وصل إلى الغاية وهي السؤال؛ لأن هذا كله تمهيد وكله توطئة وكله تقديم بين يدي السؤال، وهو قوله: [(اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)] فما قبل هذا الدعاء وهذا الطلب من الله ﷿ كله تمهيد وثناء على الله ﷿، وذلك بين يدي هذا الدعاء الذي هو الهداية لما اختلف فيه من الحق، بأن يوفق للصواب، ويوفق للحق في الذي اختلف فيه.