شرح حديث مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة
قال المصنف رحمة الله عليه: [باب النهوض في الفرد.
حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل -يعني ابن إبراهيم - عن أيوب عن أبي قلابة أنه قال: جاءنا أبو سليمان مالك بن الحويرث ﵁ إلى مسجدنا فقال: (والله إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة، ولكني أريد أن أريكم كيف رأيت رسول الله ﷺ يصلي.
قال: قلت لـ أبي قلابة: كيف صلى؟ قال: مثل صلاة شيخنا هذا -يعني عمرو بن سلمة إمامهم- وذكر أنه كان إذا رفع رأسه من السجدة الآخرة في الركعة الأولى قعد ثم قام)].
أورد أبو داود رحمه الله تعالى: [باب النهوض في الفرد] يعني: كيفية النهوض من الركعة المفردة في الصلاة الثنائية أو الثلاثية أو الرباعية، أي: بعد الركعة الأولى؛ لأن الركعة الأولى تعتبر فرداً.
وقد جاء في حديث مالك بن الحويرث ﵁: أنه كان يجلس بعد السجدة الثانية من الركعة الأولى ثم يقوم، ولكنه جاء في بعض روايات حديثه: (إذا كان في وتر)، وهذا أشمل من كلمة الفرد؛ لأن الوتر يشمل الفرد وهي الأولى، ويشمل إذا قام من الثالثة في الصلاة الرباعية، فإن هذا وتر، فالترجمة فيها ذكر الفرد، وجاء ذكر الركعة الأولى وجاء ذكر الوتر، ولفظ الوتر أشمل من الفرد؛ لأنه يشمل القيام من الأولى والقيام من الثالثة في الصلاة الرباعية؛ لأنه يقوم من وتر.
فكان يجلس قبل أن ينهض جلسة يسيرة جداً ليس لها دعاء وليس لها ذكر، وإنما يقوم من سجوده ويجلس قاعداً يسيراً جداً ثم يقوم، وهذه يسميها العلماء: (جلسة الاستراحة)، وقد جاءت بها الأحاديث عن رسول الله ﷺ، ومن ذلك حديث مالك بن الحويرث الذي معنا في هذا الباب، فقد أورد أبو داود ﵀ أن أبا قلابة قال: جاءنا أبو سليمان مالك بن الحويرث ﵁ وقال: [إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة] يعني: ما كان قصدي أن أكون إماماً وأن أتقدم عليكم في الصلاة، وإنما أريد أن أعلمكم، فهذا قصدي من الإمامة وكوني أصلي بكم، فليس قصدي أن أتقدم عليكم أو أن أكون إماماً لكم أو أريد أن أصلي بكم، هذا هو مقصوده من النفي، أي أنه ما كان يريد أن يكون إماماً لهم، ولكنه أراد أن يعلمهم بصلاته بهم كيفية صلاة رسول الله ﷺ، وهذا يبين لنا حرص الصحابة الكرام ﵃ وأرضاهم على بيان السنن وبيان هدي الرسول الكريم ﷺ، حيث كان الواحد منهم يقدم على العمل فيكون إماماً لا من أجل كونه إماماً أو لأنه يريد الإمامة، وإنما يريد أن يصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ، وهذا من حرص الصحابة الكرام ﵃ وأرضاهم على بيان السنة، ومثل هذا ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ قال: (إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ، يريد من ذلك حثهم على أن يتلقوا عنه كيفية الصلاة وأنه يصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ.
قال: [ولكني أريد أن أريكم كيف رأيت رسول الله ﷺ يصلي]، أي: لتقتدوا به، ولتأخذوا هذه السنة عني، وقد أخذتها من رسول الله ﷺ، هذا هو مقصوده من هذا الكلام ﵁ وأرضاه.
قوله: [قال: قلت لـ أبي قلابة: كيف صلى؟] أي: قال أيوب السختياني لـ أبي قلابة شيخه: كيف صلى؟ فقال: [مثل صلاة شيخنا هذا -يعني عمرو بن سلمة -] ثم ذكر من صلاته وأنه [كان إذا رفع رأسه من السجدة الآخرة في الركعة الأولى قعد ثم قام] ومعنا أنه يقوم من جلوس لا من سجود بعد الأولى، كان يجلس جلسة قصيرة ثم يقوم، فقيامه من جلوس وليس من سجود، وهذه الجلسة يسميها العلماء [جلسة الاستراحة]، وهنا قال: [في الركعة الأولى] وهذا هو معنى قوله: [في الفرد]؛ لأن الأولى هي فرد، فإذا أتم الأولى وقام منها إلى الثانية من السجود جلس جلوساً قليلاً لا ذكر فيه ولا دعاء، ثم يقوم إلى الركعة الثانية، لكن هذا الحكم لا يختص بالأولى، نعم يكون في الأولى في كل صلاة، سواءٌ أكانت ثنائية أم ثلاثية أم رباعية، فريضة أم نافلة، ما دام أنه يصلي ركعتين ويقوم بعد الأولى، سواءٌ أكان بعد الركعتين ثالثة أو رابعة أو ليس بعدهما شيء، لكن ورد في بعض روايات حديث مالك بن الحويرث (إذا كان في وتر)، وكلمة (وتر) تشمل بعد الأولى وبعد الثالثة، ولكن هذا إنما يكون في الرباعية فقط؛ لأن بعد الثالثة لا يكون إلا في الرباعية، أما المغرب والفجر فليس فيهما جلسة الاستراحة إلا بعد الأولى، ولكن في الرباعية بعد الأولى وبعد الثالثة، ولهذا قال: (إذا قام من وتر)، فالوتر في الصلوات المفروضة إنما يكون بعد الأولى وبعد الثالثة، وبعد الثالثة خاص بالرباعية، وبعد الأولى في كل صلاة، سواءٌ أكانت نافلة أم فريضة.