شرح حديث أبي رمثة في الفصل بين النفل والفرض
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا أشعث بن شعبة عن المنهال بن خليفة عن الأزرق بن قيس قال: (صلى بنا إمام لنا يكنى أبا رمثة فقال: صليت هذه الصلاة أو مثل هذه الصلاة مع النبي ﷺ، قال: وكان أبو بكر وعمر يقومان في الصف المقدم عن يمينه، وكان رجل قد شهد التكبيرة الأولى من الصلاة، فصلى نبي الله ﷺ، ثم سلم عن يمينه وعن يساره حتى رأينا بياض خديه، ثم انفتل كانفتال أبي رمثة -يعني نفسه- فقام الرجل الذي أدرك معه التكبيرة الأولى من الصلاة يشفع، فوثب إليه عمر ﵁ فأخذ بمنكبه فهزه ثم قال: اجلس! فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلواتهم فصل، فرفع النبي ﷺ بصره فقال: أصاب الله بك يا ابن الخطاب).
قال أبو داود: وقد قيل أبو أمية مكان أبي رمثة].
هذا حديث أبي رمثة رضي الله تعالى عنه، ومحل الشاهد منه: كون ذلك الرجل قام بعد السلام يتنفل، وكان قد أدرك التكبيرة الأولى، أي أنه ليس بمسبوق؛ لأن المسبوق يقوم بعدما يسلم الإمام ليتم ما فاته، وأما الذين أدركوا الصلاة من أولها فلا يصلح أن يقوموا لتنفل بعدما يسلم الإمام مباشرة، وإنما يأتون بالذكر المشروع أولاً ثم بعد ذلك يتنفلون، ولكن هذا قام وكأنه مسبوق، ولهذا احترز عن كونه مسبوقاً بقوله: [أدرك التكبيرة الأولى] يعني أنه ما كان مسبوقاً، وإنما قام يشفع، والمقصود بقوله: [يشفع] يتنفل شفعاً، لأن المتنفل لا يصلي ركعة واحدة إلا في الوتر، وأما غيره فإنه لا يقل عن ركعتين، ولهذا جاء عن النبي ﷺ قوله: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) والمقصود من هذا أنه لا يصلي أقل من ركعة.
وقيل: إن المقصود بقوله: [يشفع] أي: يشفع الفرض بالنفل ويأتي بعد الفرض بالنفل.
قوله: [وقام عمر ﵁ وأخذ بمنكبه فهزه ثم قال: اجلس! فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلواتهم فصل] أي: ما حصل لهم ما حصل من العذاب إلا بكونهم لا يفصلون بين المكتوبة وغير المكتوبة، وأقره النبي ﷺ في قوله الذي قاله.
فالحديث يدل على أن الإنسان لا يقوم ويتنفل مباشرة بعد السلام فإن هذا لا يستقيم، ولم يأت شيء يدل على هذا الربط بين الفريضة والنافلة، فعلى الإنسان أن يتمهل ويبقى يسبح ويحمد ويكبر ويأتي بالذكر الوارد عن رسول الله ﵊ عقب الصلاة، ولا يكون شأنه كالمسبوق، فهذا لا يصلح؛ لأن هذا يخالف ما جاء عن رسول الله ﷺ من الإتيان بالذكر المشروع بعد الصلاة، فإذا أتى بالذكر المشروع بعد الصلاة ثم يقوم بعد ذلك ويتنفل فلا بأس، وإن تنفل في مكان آخر فهو أولى، كما في الحديث الذي سبق.
وهذا الحديث الذي معنا ضعيف غير ثابت؛ لأن في إسناده من هو ضعيف، فلا يثبت به حكم، ولكن كون الإنسان يستعجل ولا يذكر الله ﷿ بعد الصلاة فهذا لا ينبغي، بل الذي ينبغي هو التمهل والإتيان بالذكر المشروع الذي كان رسول الله ﷺ يقوله بعد صلاته، وكان الصحابة ﵃ وأرضاهم يفعلونه.