شرح حديث أبي عياش الزرقي في صفة صلاة الخوف
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب صلاة الخوف.
من رأى أن يصلي بهم وهم صفان فيكبر بهم جميعاً، ثم يركع بهم جميعاً، ثم يسجد الإمام والصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فإذا قاموا سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدم الصف الأخير إلى مقامهم، ثم يركع الإمام ويركعون جميعاً، ثم يسجد ويسجد الصف الذي يليه، والآخرون يحرسونهم، فإذا جلس الإمام والصف الذي يليه سجد الآخرون، ثم جلسوا جميعاً، ثم سلم عليهم جميعاً، قال أبو داود: هذا قول سفيان.
حدثنا سعيد بن منصور حدثنا جرير بن عبد الحميد عن منصور عن مجاهد عن أبي عياش الزرقي ﵁ قال: (كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غرة! لقد أصبنا غفلة! لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة؛ فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر، فلما حضرت العصر قام رسول الله ﷺ مستقبل القبلة والمشركون أمامه، فصف خلف رسول الله ﷺ صف، وصف بعد ذلك الصف صف آخر، فركع رسول الله ﷺ وركعوا جميعاً، ثم سجد وسجد الصف الذي يلونه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما صلى هؤلاء السجدتين وقاموا سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدم الصف الأخير إلى مقام الصف الأول، ثم ركع رسول الله ﷺ وركعوا جميعاً، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول الله ﷺ والصف الذي يليه سجد الآخرون، ثم جلسوا جميعاً فسلم عليهم جميعاً.
فصلاها بعسفان، وصلاها يوم بني سليم)].
أورد أبو داود هذه الترجمة: باب صلاة الخوف.
أي: الخوف من العدو، وقد جاءت صلاة الخوف عن رسول الله ﷺ على صفات متعددة منها: ما إذا كان العدو في جهة القبلة، ومنها: ما إذا كان في غير جهة القبلة، وهذا الذي أورده المصنف أولاً في الباب إذا كان العدو في جهة القبلة، وأتى بالترجمة على وفق الحديث؛ لأنه في باب صلاة الخوف يذكر في الترجمة من قال بمقتضى ذلك، ويسرد مجمل الحديث أو أكثر الحديث فيها، ثم بعدما يذكر الترجمة المطولة التي فيها صفة صلاة الخوف يذكر الحديث بإسناده.
وهذه الترجمة فيما إذا كان في جهة القبلة، أي أنه قد يكون أخطر.
وهذا الحديث الذي أورده أبو داود عن أبي عياش الزرقي أنهم لما كانوا في عسفان، وكان على جيش المشركين خالد بن الوليد، أي: وذلك قبل أن يسلم، ثم بعد ذلك أسلم وحسن إسلامه، وجاهد في سبيل الله، وفتح الفتوحات ﵁ وأرضاه.
فالرسول ﷺ لما صلوا الظهر قال الكفار: (أدركنا غرة) أي: هذه الصلاة التي يصلونها لو أننا انقضضنا عليهم فيها لتمكنا منهم، فنزلت آية الخوف، فإنه لما جاء العصر صلى بالناس صلاة الخوف بالطريقة التي تخالف ما يريده المشركون، وكان المشركون في جهة القبلة، فالرسول ﷺ صف أصحابه صفين، ودخل في الصلاة بهم جميعاً، وقام وهم قائمون جميعاً، وركعوا جميعاً، ورفعوا جميعاً، ثم بعد ذلك سجد رسول الله ﷺ وسجد الصف الأول، والباقون الذين هم الصف الثاني واقفون يحرسونه، لأن العدو في جهة القبلة، فلما قام الرسول ﷺ وقام الصف الأول سجد أهل الصف الثاني السجدتين ثم قاموا، فصاروا كلهم قائمين في الركعة الثانية، فتقدم أهل الصف الأخير وتأخر أهل الصف الأول، أي: الذين كانوا في الخلف تقدموا وصاروا في الصف الأول، والذين كانوا في الصف الأول تأخروا إلى الصف الثاني حتى يحصل لهم مثل ما حصل للأولين.
فالرسول ﷺ صلى الركعة الثانية، وركع وركعوا جميعاً، ورفع ورفعوا جميعاً، وسجد وسجد معه الصف الأول الذي يليه وهو الذي كان آخراً في الركعة الأولى، ولما فرغوا من السجود جلسوا للتشهد، فنزل الذين في الصف الثاني وسجدوا السجدتين وجلسوا في التشهد، ثم سلم بهم ﷺ جميعاً.
فهذه الهيئة حيث كان العدو في جهة القبلة، وفيها أداء الصلاة والقيام بالحراسة دون أن يقسم الناس إلى مجموعتين كما سيأتي في بعض صفات صلاة الخوف الأخرى، أعني إذا كان العدو في غير جهة القبلة.
فهذه صفة صلاة الخوف إذا كان العدو في جهة القبلة.