شرح حديث: (أتاني الليلة آتٍ من عند ربي ﷿ فقال: صل في هذا الوادي المبارك)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا النفيلي حدثنا مسكين عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول حدثني عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع رسول الله ﵌ يقول: (أتاني الليلة آتٍ من عند ربي ﷿ -قال: وهو بالعقيق- وقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة).
قال أبو داود: رواه الوليد بن مسلم وعمر بن عبد الواحد في هذا الحديث عن الأوزاعي: (وقل عمرة في حجة).
وقال أبو داود: وكذا رواه علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير في هذا الحديث، وقال: (وقل عمرة في حجة)].
أورد أبو داود حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال وهو في ذي الحليفة: (أتاني الليلة آتٍ من ربي، وقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة).
وهذا الحديث يدل على فضل القران، وأن النبي ﷺ أمر به فحج قارناً، وأنه جاءه الوحي بذلك من الله ﷿؛ لأنه قال: (أتاني الليلة آتٍ من ربي، وقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة)، وفي بعض الروايات: (عمرة وحجة)، وهذا هو القران، وقد حج النبي ﷺ قارناً، وساق الهدي من المدينة صلوات الله وسلامة وبركاته عليه، فهذا الحديث دال على ما ترجم له المصنف من القران.
وفيه أيضاً: وصف وادي العقيق بأنه مبارك، وأن من ذهب للحج أو للعمرة وصلى فيه فإن الصلاة فيه مشروعة، بخلاف الأماكن الأخرى التي لم يأت فيها ذكر الصلاة كالمواقيت الأخرى، فإنه ليس هناك دليل يدل على فضل مخصوص للصلاة فيها، وقد قال بعض الفقهاء: إنه يصلي للإحرام ركعتين، لكن الذي جاء فيه النص هو الصلاة في هذا الوادي المبارك، وسواء كانت تلك الصلاة فريضة أو نافلة، فمن أراد أن يفعل ذلك فقد وُجد الدليل الدال عليه، ومن أراد ألا ينزل في هذا الوادي، وأن يحرم وهو في السيارة وهي تسير في الطريق فإنه عندما يحاذي المسجد ينوي ويلبي، ولا يلزمه أن ينزل.
والمقصود من هذا الحديث أن النبي ﷺ حج قارناً، وهذا الحديث من أدله القران، وهو ما ترجم له المصنف.
وتلك الليلة التي أُتي فيها يبدو أنها الليلة التي بات فيها في ذي الحليفة، فقد خرج من المدينة بعد أن صلى بها في مسجده الظهر أربعاً، وصلى العصر في ذي الحليفة ركعتين، وصلى المغرب والعشاء والفجر والظهر، ثم مشى بعد صلاة الظهر من الغد، أي أنه صلى خمس صلوات في ذي الحليفة، وكان جلوس النبي ﷺ في ذلك المكان ليتوافد الناس إليه، وليجتمعوا في ذلك المكان، وليشهدوا أعماله في حجه من أولها، ومعلوم أن أولها إنما يكون بالإحرام من الميقات.
وقصد هذا الوادي المبارك في غير النسك لا يشرع، فلا يشرع للإنسان أن يقصد إليه، وأن يأتي فيه بشيء، فكون الإنسان يذهب إليه لغير النسك لا وجه له في ذلك، ومثل ذلك أيضاً جبل أحد، فقد قال فيه ﷺ: (جبل يحبنا ونحبه)، ولكن ليس للناس أن يذهبوا إليه، ولا أن يصعدوا عليه.
وقد يستشكل على بعضهم: كيف أن الله جل وعلا يأمر نبيه أن يقول: عمرة في حجة، وقد قال النبي ﷺ: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي وجعلتها عمرة)؟!
و
الجواب
أنه ساق الهدي وأرشد إلى ذلك أولاً، وفي آخر الأمر بيّن ﷺ أن الإحرام بالتمتع أولى من الإحرام بالقران، وبعض أهل العلم يفصل فيقول: إذا كان سيأتي بعمرة مستقلة في أثناء السنة فالإفراد أفضل، وإذا كان قد ساق الهدي فالقران أفضل، وإذا لم يكن هذا ولا هذا فالتمتع أفضل، لكن كون النبي ﷺ يرشد أصحابه إلى أن يتحولوا من القران الذي لا هدي معه، ومن الإفراد الذي لا هدي معه إلى التمتع ويقول: (إن هذا للأبد، وأبد الأبد)، فهذا يدلنا على أن هذا هو الأفضل والأكمل؛ لأنه ﷺ لا يرشدهم إلى أن ينتقلوا من فاضل إلى مفضول، بل يرشدهم إلى أن ينتقلوا من مفضول إلى فاضل؛ لأنه أنصح الناس للناس ﷺ، ومعلوم أن كل ما يأتي به النبي ﷺ هو وحي، فالأول وحي والآخر وحي، وهو لا يأتي بشيء من عند نفسه، كما قال الله ﷿: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، لكن من كان معه هدي فإنه يتعين عليه أن يأتي بالقران أو الإفراد.