يقنع الماديين بأن وراء هذه الأسباب فاعلا مختارا، وليست الأسباب مؤثرة في الإيجاد، إنما المؤثر هو الله ﷾.
وإحياء الموتى وحده برهان قاطع على أن الأسباب العادية ليست هي المؤثرة وإنما الخالق المكون هو المؤثر، وأن الأشياء لم تخلق بالعلِّية، إنما خلقت بالإرادة المختارة المبدعة المنشئة المكونة، وعبر بقوله: (بِإِذْنِ اللَّهِ) في كل هذا للإشارة إلى أن المبدع المنشئ هو الله ﷾، وأنه ليس ما يجري على يدي عيسى لمعنى الألوهية فيه، إنما هو لله العلي القدير.
والآية الرابعة بينها ﷾ بقوله: (وَأُنَبّئُكُم بمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخرونَ فِي بُيوتِكُمْ):
الإنباء والتنبئ: الإخبار بالخبر العظيم، إما لموضوعه، وإما لعظم شأن الإخبار نفسه، والإخبار عن شيء من غير رؤيته، إخبار عظيم في ذات شأنه، ولقد كان عيسى لفرط روحانيته، ولما أكرمه الله به من إجراء الخارق للعادة على يديه تأييدا لرسالته، يخبر من بعث إليهم بما يأكلون، أي ما يأكلون، وما يدخرون في بيوتهم، وهذا نوع من الكشف النفسي أعطاه الله لنبيه عيسى ﵇، وهو ليس من قبيل الإخبار عن المستقبل، وإنما هو من قبيل الإخبار عن الحاضر الواقع ممن لَا يراه.
وقد كان النبي محمد ﷺ يخبر عن بعض الأمور المستقبلة، كما أعلمه الله تعالى، مثل قوله تعالى: (غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ).
وكإخباره ﵊ عما يحدث لأمته في الأزمان المستقبلة، وكإخباره ﵊ عن فشو الربا في أمته، مثل قوله ﵊: " يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا " قيل: الناس كلهم يا رسول الله؟! قال " من لم يأكله ناله غباره " (١).