استهزاء بعض ضعاف الإيمان بالمؤمنين في غزوة تبوك
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: (باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول) أي: فقد كفر.
قوله: وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥].
قال العماد ابن كثير ﵀ في تفسيره: قال أبو معشر المدني عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: قال رجل من المنافقين: ما أرى مثل قرائنا هؤلاء إلا أرغبنا بطوناً، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء، فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونلعب، فقال: (﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦])، وإن رجليه ليسفعان الحجارة، وما يلتفت إليه رسول الله ﷺ وهو متعلق بنسعة ناقة رسول الله ﷺ.
وقال عبد الله بن وهب: أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يوماً: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ونزل القرآن، قال عبد الله بن عمر ﵄: وأنا رأيته متعلقاً بحقب ناقة رسول الله ﷺ تنكبه الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله ﷺ يقول: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]) وقد رواه الليث عن هشام بن سعد بنحو من هذا.
وقال ابن إسحاق: وقد كان جماعة من المنافقين منهم وديعة بن ثابت أخو بني أمية بن زيد بن عمرو بن عوف ورجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له: مخشي بن حمير، يشيرون إلى رسول الله ﷺ وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضاً؟! والله لكأنا بكم غداً مقرنين في الحبال؛ إرجافاً وترهيباً للمؤمنين، فقال مخشي بن حمير: والله لوددت أني أقاضى على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة، وأنا نتفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه.
وقال رسول الله ﷺ -فيما بلغني- لـ عمار بن ياسر: (أدرك القوم فإنهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى، قلتم كذا وكذا، فانطلق إليهم عمار فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله ﷺ يعتذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت ورسول الله ﷺ واقف على راحلته فجعل يقول وهو آخذ بحقبها: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونلعب، فقال مخشي بن حمير: يا رسول الله! قعد بي اسمي واسم أبي)، فكأن الذي عناه -أي: بقوله تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة:٦٦]- في هذه الآية: مخشي بن حمير، فسمي عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتل شهيداً لا يعلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر.
وقال عكرمة في تفسير هذه الآية: كان رجل ممن -إن شاء الله- عفا عنه يقول: اللهم إني أسمع آيةً أنا أعنى بها تقشعر منها الجلود، ويجب منها القلب، اللهم فاجعل وفاتي قتلاً في سبيلك، لا يقول أحد: أنا غسلت، أنا كفنت، أنا دفنت، قال: فأصيب يوم اليمامة، فما أحد من المسلمين إلا وقد وجد غيره].