نسبة علم الغيب إلى الله تعالى ومنافاته للعبادة
وأما الإله فهو الذي تألهه القلوب، أي: تحبه وتنيب إليه وتذل له وتعظمه، وبعض الناس قد يعبر عن هذا بالخوف السري، أي: أن الإنسان قد يخاف من مخلوق أن يطلع على ما في ضميره أن يعاقبه، والذي يطلع على الضمائر هو الله فقط، فلا أحد من الخلق يطلع على ما في الضمير أبداً، فمن جعل لمخلوق هذا الشيء فقد أشرك بالله، وإذا جعل للمخلوق الميت الغائب شيئاً من العبادة خوفاً من أنه لو لم يفعل كذا وكذا لأصابه بشيء إما في بدنه أو في ماله أو ما أشبه ذلك فمعنى ذلك أنه أشرك في الخوف الذي يجب أن يكون لله خالصاً، فيكون قد وقع في الشرك، وهذا عام شامل حتى في الرسل، فلا يجوز أن يقول الإنسان: إن الرسول يعلم الغيب؛ لأن الرسول لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله جل وعلا، كما قال الله جل وعلا: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن:٢٦ - ٢٨]، أي: أنه يطلع بعض رسله على شيء من المغيبات ليكون ذلك دليلاً على صدقه، وعلى نبوته، وعلى أنه جاء بالحق من عند الله، ويكون آية له، أما أن يُعتقد أنه يعلم ما في القلوب، كما يقول الشاعر الذي وقف على قبر النبي ﷺ وصار يدعوه وينزل الدموع ويقول: هذه علتي وأنت طبيبي ليس يخفى عليك في القلب داء فهذا في الواقع من الشرك بالله؛ فإن الذي لا يخفى عليه شيء مما القلب هو الله جل وعلا وحده، وكذلك قوله: يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي فضلاً وإلا فقل: يا زلة القدم ولن يضيق -رسول الله- جاهك بي إذا الكريم تحلى باسم منتقم فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم إلى آخر ما قال.
وهذا كله في الواقع صرف لما هو من خصائص الله وجعله للرسول ﷺ، فهو يستغيث بالرسول ﷺ من الله، ويقول: إذا غضب الله يوم القيامة غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله فأنا أعوذ بك من الله، أعوذ بالله! وقوله في هذه الأبيات (ولن يضيق رسول الله) يعني: (يا رسولَ الله) بالنصب على النداء.
يقول: ولن يضيق -رسول الله- وجاهك بي إذا الكريم تحلى باسم منتقم يعني: أنا ألوذ بجاهك من غضب الله، وقوله: (فإن من جودك الدنيا وضرتها) يعني: من جودك الدنيا والآخرة، وقوله: (ومن علومك علم اللوح والقلم) يقول: من جملة علومك -يا رسول الله- علم اللوح الذي كتب فيه كل شيء، وعلم القلم الذي كتب كل شيء، فأشرك بالله جل وعلا، وهذا مثل قول النصارى تماماً حين قالوا: عيسى هو الله -تعالى الله وتقدس عن ذلك علواً كبيراً- والمقصود أن الإنسان عبد يجب أن يعلم حده ويعلم قدره، والله جل وعلا يقول لرسوله ﷺ: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦]، وقد رميت زوجته ﷺ بالبهت والكذب فبقي قرابة شهر وهو لا يدري، حتى نزل عليه الوحي ببراءتها، بل كان يسأل الجارية ويستشير حتى نزل الوحي من الله يبين أنها بريئة وأن هذا كذب وبهتان، وكذلك صلت ناقته ﷺ فأرسل من يطلبها، فقال أحد المنافقين: أهذا يزعم أنه يعلم ما في السماء وهو لا يدري أين ناقته؟! فجاءه الخبر من الله جل وعلا فقال: (إني والله! لا أعلم من الغيب إلا ما علمني الله جل وعلا، وإن فلاناً قال كذا وكذا، وإن الله جل وعلا قد أعلمني أنها في الشعب الفلاني قد أمسكت بزمامها شجرة) فأرسل من يأتي بها، إلى غير ذلك من الأشياء وهي كثيرة وكثيرة جداً، وكثير ممن يزعم أنه هو المتبع للرسول ﷺ يعتقد أن رسول الله ﷺ يعلم كل شيء، وأنه يعلم الغيب ويعلم ما يعلمه الله، ويقول: الذي يقول: إن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب يكون كافراً؛ لأنه لم يعرف قدر الرسول ﷺ، يعني: الذي يتبع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ يكون كافراً في زعمه.
فعلى كل حال ما أعجب ما خلق الله جل وعلا لهذا الإنسان، وما يكون عنده من الأفكار والمحن والاختلافات، والله جل وعلا يقلب القلوب كيف يشاء، فإذا رد الإنسان شيئاً من أمر الله لأجل رأيه أو مذهبه أو اتباع لشيخه فإن الله جل وعلا يعاقبه بأن يزيغ قلبه وبأن يرى الحق باطلاً والباطل حقاً، فيزين له سوء عمله، فمن يهديه؟ لا أحد يهديه، فإذا أضله الله جل وعلا على ذلك يجعله يرى الحسن سيئاً والسيئ حسناً، فلا حيلة فيه إلا أن تطلب له الهداية من الله جل وعلا الذي يستطيع أن يهديه، أما الخلق فلن يستطيعوا، بل ولو بينت له كل البيان ما استطعت أن تهديه، ومع ذلك لا يقال: إنه معذور أو إنه جاهل؛ لأن الله جل وعلا بين لنا والرسول ﷺ وضح لنا وبلغنا البلاغ المبين، فلا عذر لأحد بعد بلاغ رسول الله ﷺ، وقد قال الله جل وعلا له: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ:٥٠]، وقال: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [الأعراف:١٨٨]، وقد أخبر بهذا جميع الرسل.