الهدف من صلح الحديبية
ليس الهدف من صلح الحديبية استئصال قريش، وليس الهدف عمرة عابرة في حياة المسلمين، وليس الهدف إذلال قريش بالدخول إلى مكة رغماً عن أنفها، وليس الهدف إيمان مكة وحدها.
إذاً: ما هو الهدف؟ لقد كان هدف رسول الله ﷺ أعمق من ذلك بكثير، الهدف هو نشر دين الله ﷿ في الأرض قاطبة، حتى لو تأخر إسلام مكة عدة سنوات، مع أن مكة أحب بلاد الله إلى قلب الرسول ﷺ، لكنه كان ينظر نظرة شمولية، وينظر في ذات الوقت نظرة واقعية للأحداث، فبعض الصحابة في ذلك الوقت لم ينظروا هذه النظرة، كان كل همهم أن يدخلوا تلك السنة إلى مكة المكرمة، كان كل همهم أن يعودوا بالمسلمين الموجودين بمكة إلى داخل المدينة المنورة، لكن الرسول ﷺ نظرته أعمق وأوسع من هذا بكثير، كان يرى كل الفوائد التي تكلمنا عليها وأكثر من هذا في داخل صلح الحديبية؛ من أجل هذا قبل ﷺ بالصلح.
هنا سؤال مهم جداً ومحتاج إلى وقفه مهمة وهو: لماذا لم يستجب الرسول ﵊ لرأي الصحابة مع أن الأغلبية منهم لا يريدون أن يتم الصلح بهذه الصورة؟ لماذا الرسول ﵊ خالف هؤلاء الصحابة؟ أين الشورى في ذلك الموقف؟ هذا شيء في منتهى الأهمية، والشورى لا تكون إلا في الأمور التي ليس فيها وحي، التي ليس فيها أمر مباشر من رب العالمين ﷾، أو من رسوله الكريم ﷺ، والرسول قبل ذلك أشار في أكثر من مرة أن هذا الأمر وحي من رب العالمين ﷾، فالرؤيا التي رآها في المدينة المنورة كانت وحياً من الله ﷿، والناقة التي حبست من دخول مكة المكرمة وذكر ﷺ أنها مأمورة، وأنه حبسها حابس الفيل، فهذه إشارة واضحة من رب العالمين ﷾ أنه لا يريد له أن يدخل مكة المكرمة، لذلك أخبر أصحابه أنه سيقبل بأي خطة تعظم فيها حرمات الله ﷿، وفيها منع للقتال، ثم بعد ذلك ذكر ذلك عندما جادله ﷺ كلمة توضح أن كل المعاهدة كانت بوحي من رب العالمين ﷾، ذكر ذلك عندما جادله بعض الصحابة كما سيتبين إن شاء الله في الدرس القادم، قال لهم موضحاً لهم أهمية هذه المعاهدة وأنها أمر من رب العالمين ﷾، قال: (إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري ولن يضيعني أبداً).
إذاً: اتضح أن هناك وحي في هذه القضية، وهناك أمراً مباشراً من رب العالمين ﷾ أن يقبل رسول الله ﷺ هذه البنود، فهنا لا يوجد شورى.