الهداية عودة إلى الأصل
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله.
أما بعد: فهي فرصة طيبة أن نلتقي بإخواننا الشباب هذا اللقاء المبارك في هذه البلدة التي تشرفنا بزيارتها، فنسأل الله ﷾ أن نكون وإياكم من المتحابين بجلاله، وأن يظلنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
معشر الشباب! عنوان هذه المحاضرة كما سمعتم: ماذا بعد الهداية؟ ظاهرة نشهدها كثيراً ونراها، وربما نكون نحن أيضاً من نتاج هذه الظاهرة، ترى صورة ذاك الشاب الذي عاش فترة من الغفلة والإعراض والجرأة على ما حرم الله ﷾، وعاش مرحلة من التيه والضياع، ثم من الله ﷾ عليه بالهداية، فهداه الله ﷿، وسلك طريق الخير والاستقامة.
أو ذاك الشاب الذي قد لا يكون كصاحبنا، قد لا تكون له تجربة في الفساد والإغراق فيه والانحراف، لكنه هو الآخر له تجربة قريبة من هذه التجربة، قد يكون عاش شخصاً عادياً لا اهتمام له، وغاية ما يشكل عنده أهمية فوز فريق رياضي أو تقدمه، أو قضية صغيرة أو كبيرة، أما قضية الاستقامة وقضية الدين فلا تقدم عنده ولا تؤخر كثيراً، ثم من الله ﷾ عليه هو الآخر بالهداية، ونعتبرها في الواقع نقلة مهمة، فسلك مع الشباب الأخيار طريق الخير والاستقامة، فصار مع هذا الرأي.
ومن ثم كان لابد لهؤلاء وأولئك ولجميع الذين سلكوا هذا الطريق من حديث خاص حول هذه المرحلة التي انتقلوا إليها وسلكوها، ولئن كان الحديث فيما قد يبدو لنا خاصاً بأولئك الذين هم حدثاء عهد بهذه المرحلة إلا أني أتصور أنه قد يعنينا جميعاً، وسنجد جوانب من هذا الحديث تعنينا ونشترك فيها جميعاً.
الجانب الأول: هذه الهداية إنما هي عودة إلى الأصل: فإن الله ﷾ يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الروم:٣٠ - ٣١].
أي: أن الله ﷾ فطر الناس منيبين إليه، ومسلمين له، ومتوجهين له، فالبعض قد يتصور أنه ما دام هو قد تحول إلى هذا الطريق، أو ما دام فلان من الناس أياً كان هذا الشخص قد تحول إلى هذا الطريق، فإن هذا يعني أنه قد سلك طريقاً آخر، ومسلكاً آخر، ودرباً آخر.
ولكن نحن نقول: إن هذا الشخص إنما عاد إلى الأصل، وعاد إلى المسار الطبيعي الذي كان ينبغي أن يسير فيه، والذي كان هو عليه أصلاً، فإن الله ﷾ قد أخبر أنه فطر الناس منيبين إليه، ومتوجهين له، ومسلمين له.
ونلمس هذا المعنى أيضاً واضحاً، بل قد يكون بصورة أدل وأقوى في الدلالة من قول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه يقول: (خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن ذكر الله ﷿، فحرمت عليهم ما أحللت لهم).
إذاً: الجميع خلق أصلاً على هذا الطريق، وخلق في هذا المسار، ثم جاءته الشياطين فاجتالته، فأخذ المسار الآخر، فعندما يهتدي فإنه يعود إلى الأصل الذي كان هو عليه وخلق عليه.
وكما قال ﷺ: (ما من مولود يولد إلا على الفطرة، حتى يعجم عنه لسانه، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه).
هذا جانب من الجوانب التي تعطينا دلالة على أن هذا الشاب الذي سلك هذا الطريق لم يسلك طريقاً جديداً أصلاً، ولم يسلك مساراً مبتدعاً، إنما عاد إلى الأصل وإلى الوضع الطبيعي والمسار الذي كان عليه.
جانب آخر أيضاً: اخرج خارج المدينة وتأمل فيما أمامك تجد الجبال والأشجار، ومظاهر هذا الكون، وارفع نظرك إلى السماء تر السماء والنجوم وتر ما فيها، وحينئذٍ ستتذكر قول الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج:١٨].
إذاً: فترى هذا الكون أمامك بكل ما فيه يسجد لله ﷾، يسجد له ﷿ من في السماوات ومن في الأرض، والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب، وكثير من الناس، وكثير حق عليه العذاب، حتى كثير ممن حق عليه العذاب هو في حقيقة أمره في بعض جوانب حياته يخضع ويسجد ويسلم لله ﷾.
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد:١٥]، لعلك تبحث عن الظل لتجلس تحته، أو لتوقف سيارتك في مكان تستظل به، ثم تتذكر فعلاً هذا الظل الذي يمتد ويعود مرة أخرى ويرجع، فتراه في الصباح يبدأ يتناقص، ثم ف