الخطاب الذي ينبغي أن يوجه للفتاة
وإننا -معشر الأخوات الفاضلات- ينبغي أن نتجاوز تلك اللغة، والتي لم تعد تعرف المرأة فيها إلا الحديث عن بعض القضايا التي تخص الفتاة، أو الحديث عن المخالفات التي تقع فيها النساء، فهي حين تتبع حديثاً يخصها تنتظر أن تسمع حديثاً عن الحجاب، والتحذير من السفور، وعن قوامة الرجل، وعن اختلاطها بالأجانب، وعن اللبس المحرم، والسماع المحرم، والكلام المحرم، إلى غير ذلك.
وهو حديث لابد أن تسمعه، ولابد أن نقوله، ولا يجوز أبداً أن نقلل من شأنه وقيمته، لكن أليس هناك منطق آخر ينبغي أن نتحدث فيه مع المرأة؟ أليست الفتاة بحاجة إلى أسلوب آخر وصوت آخر يحدثها؟ لقد جاء النبي ﷺ إلى النساء؛ ليعظهن ويعلمهن، فكان مما قال لهن: (ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من الولد إلا كانوا لها حجاباً من النار، قالت امرأة: واثنين، قال: واثنين).
إن النبي ﷺ هنا فتح لهن باباً في الرجاء، وحدثهن عن دور وأمر ينبغي أن يحتسبنه وتحتاج إليه المرأة، وفي موطن آخر أمرهن ﷺ بالصدقة، وأخبر أنهن أكثر أهل النار -عافانا الله وإياكن جميعاً من عذاب النار- وأمرهن أن يتصدقن ولو من حليهن.
والمقصود أنه لا ينبغي أن نقتصر على هذا اللون من الخطاب، ولا ينبغي ألا يعرف الناس من قضية المرأة إلا لزوم الحجاب، والمنع من النقاب، والمنع من اللباس الفاضح، والاختلاط بالرجال، والحديث عن الأخطاء التي تقع فيها المرأة.
أقول وأؤكد: لاشك أن هذا ينبغي أن نقوله، وينبغي أن نكرره ونخاطب المرأة به، لكن أيضاً ينبغي أن نتحدث حديثاً آخر، إن تلك الفتاة التي نعاني منها الآن وهي تتهاون بأمر الله ﷾، فتتهاون في الحجاب، ويزعجنا هذا المنظر، ويؤلمنا هذا الموقف، إن الكثير منهن تعلم تمام العلم، وتوقن تمام اليقين أن هذا السلوك مخالفة لأمر الله ورسوله ﷺ، وأنه لا يرضي الله ﷾.
فلو خاطبناها بلغة أخرى، وسعينا إلى أن نغرس الإيمان عند فتياتنا، وأن نعنى بهذه القضايا ونركز عليها، أن تعنى المدرسة والمربية والموجهة بتربية الإيمان في نفوس الفتيات، وتذكيرهن بالله ﷾، واليوم الآخر؛ حتى تصبح الفتاة فتاة تخشى الله ﷾، وتخافه ﷿، وتؤثر مرضاة الله ﷾ على ما سواه، حينها يتعلق قلبها بالله ﷾، وتدرك تماماً العبودية والخضوع لله ﷿، وترى أن الحجاب والعفاف أنه لباس عز وشرف؛ لأنه استجابة لأمر الله ﷾، وعبودية له ﷿.
ومما زادني شرفاً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا فتفتخر الفتاة وتعتز بأن ترتدي هذا الحجاب، بأن تمتنع من هذا اللباس، بأن تمتنع من هذا السلوك، وتتجنب ذاك الموقف، وأن تقف هذا الموقف، وتلبس هذا اللباس، إنها تعتز بمثل هذه المواقف، وترى أنها تمثل عبودية لله ﷾، وأن هذا يزيدها رفعة وشرفاً وفخراً.
إن المرأة تتعلق بالمظاهر، وتفتن بالزينة، وتسعى إليها، ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨]، فحين تربى الفتاة أن لباس التقوى خير، ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦].
حين ترى أن زينة الإيمان هي أعلى زينة وأتم زينة، فنغرس هذا المعنى في نفسها، ونربيه لديها بالكلمة المؤثرة، والقدوة، وسائر وسائل التربية وأساليبها، حين نغرس هذه المعاني في نفوس فتياتنا وبناتنا؛ فإننا حينئذٍ نتجاوز هذه العقبات، وتنطلق هذه الفتاة لتلتزم أمر الله ﷾، راغبة راضية متوجهة إليه لا أن تتجه له، وهي ترى أنه أمر تؤطر عليه أطراً، وتدفع إليه دفعاً.
أقول: لو تحدثنا مع فتياتنا وبناتنا بهذه الصورة، وسعينا إلى التركيز على هذه الجوانب؛ على تحقيق العبودية لله ﷾، وتوحيد الله ﷿، وتعظيمه ﷾، حتى لا يصبح في قلوبهن محبة فوق محبة الله ﷾، ولا يخفن غير الله ﷿، ولا يتجهن لسواه ﷾، فإننا حينئذٍ نختصر على أنفسنا مراحل كثيرة من الطريق، ربما كانت تستوجب علينا قائمة طويلة من المناقشات والمجادلات؛ لإقناع هذه الفتاة بأن تترك هذا السلوك، أو تسلك هذا المسلك وتسير في هذا الطريق أو ذاك.