الحذر من قياس الأمور بمقياس واحد
وبعد ذلك ننبه على بعض الأمور: أولها: احذر من القياس على رأس الديك: هذا مثل طريف يحكونه، وهو أن أحد الناس غير المبصرين عاد إليه بصره، فرأى رأس الديك، ثم بعد ذلك فقد بصره، يعني: ما رأى في الدنيا إلا رأس الديك، فصار كلما قيل له شيء، فقيل له عن الجبل، قال: وماذا يكون من رأس الديك؟! قيل له عن الفيل، قال: وماذا يكون من رأس الديك؟! يعني: كل شيء يقارنه برأس الديك، ما عنده إلا نظرة واحدة.
وأقول: يجب أن يكون عندنا سعة أفق، وألا نعرف الأسلوب الواحد فقط، أحياناً يجرب أسلوب فينجح، أو طريقة معينة فتنجح، فنسلك نحن جميعاً هذا الأسلوب، فيجب أن يكون عندنا تنويع في أساليب الدعوة، وتنويع في الخطاب، وابتكار.
اقرأ القرآن -يا أخي- تجد القرآن ينوع الموعظة، مرة يذكر ما يحصل لأهل النار من عذاب، ومرة يذكر نعيم أهل الجنة، ومرة يذكر مخلوقات الله ﷾ والتفكر فيها، ومرة قصص الأولين والسابقين، وهكذا تجد الموعظة في كتاب الله ﷾ قد جاءت متنوعة على أنحاء شتى.
والنبي ﷺ انظر إلى دعوته ﷺ، فهو -مثلاً- لما أتاه الوليد بن المغيرة ماذا قال له؟ قال: اسمع، فقرأ عليه القرآن.
ولما أتاه أعرابي أعطاه مالاً، فأسلم لأجل المال، كما قال أنس: فلقد كان الرجل من الأعراب يسلم ما به إلا حب الدنيا، ثم ما يلبث أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.
لما جاء إليه ضماد وكان رجلاً كاهناً قال له ﷺ: (الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له).
ولما جاء عدي بن حاتم وهو ملك قال: (أترى الحيرة؟ قال: نعم.
سمعت عنها ولم أرها، قال: يوشك أن تسير الظعينة من الحيرة فتطوف بالبيت لا تخاف إلا الله، قال: أتعرف كسرى بن هرمز؟ قال: نعم.
قال: يوشك أن تنفق كنوزه في سبيل الله، ثم قال: ويوشك أن يعطى المال فلا يقبله أحد، فيقول عدي ﵁: فلقد رأيت اثنتين وأنا انتظر الثالثة).
المهم أن عدياً ﵁ كان ملكاً، ولذلك خاطبه النبي ﷺ بما يناسبه، وهكذا تأمل في السيرة، اقرأ في أحداث السيرة، وانظر كيف كان النبي ﷺ يدعو الناس، أحدهم يقرأ عليه القرآن، والآخر يعظه، والآخر يناقشه نقاشاً عقلياً، والآخر يعطيه مالاً، ينوع الأساليب ﷺ التي تتناسب مع الناس.
فأقول: نحن بحاجة أيضاً إلى أن نسلك نفس الهدي الذي سلكه النبي ﷺ، وقد أشرنا إلى هذه القضية بالتفصيل عندما تحدثنا عن هديه ﷺ في الدعوة.
فأقول: نحن بحاجة إلى أن ننوع الأساليب، ونبتكر الوسائل والأساليب التي تؤثر على أمثال هؤلاء.