أول المواعظ
قدم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ على الشام متفقداً أحوالها، فزار صاحبه أبا الدرداء في منزله ليلاً، فدفع الباب فإذا هو بغير غلق، ثم دخل في بيت مظلم لا ضوء فيه، فلما سمع أبو الدرداء ﵁ حسه قام إليه ورحب به، ثم جلس الرجلان يتبادلان الأحاديث والظلام يحجب كلاً منهما عن عيني صاحبه، فجس عمر وساد أبي الدرداء فإذا هو برذعة، وجس فراشه فإذا هو حصا، وجس دثاره -يعني لحافه- فإذا هو كساء رقيق لا يغني شيئاً من برد الشام، فقال له عمر: رحمك الله يا أبا الدرداء! ألم أوسع عليك؟! ألم أبعث لك؟! فقال أبو الدرداء: (أتذكر يا عمر حديثاً حدثناه رسول الله ﷺ، قال عمر: وما هو؟ قال: ألم يقل رسول الله ﷺ لنا: ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب)، فماذا فعلنا بعده يا عمر! فبكى عمر وبكى أبو الدرداء، وما زالا يتجاوبان البكاء والنحيب حتى طلع عليهما الفجر.
فلا إله إلا الله والله أكبر! كيف إذا جاء عمر وأبو الدرداء ونظرا في أحوالنا؟! كم غيرنا؟! وكم بدلنا؟! وكم انفتحت الدنيا؟! ومضت الأيام قدماً وتوفي أبو الدرداء ﵁ كما هو سبيل كل حي، فرأى عوف بن مالك الأشجعي فيما يراه النائم مرجاً أخضر فسيح الأرجاء وارف الأفياء فيه قبة عظيمة من أدم حولها غنم رابضة لم تر العين مثلها قط، فقال: لمن هذه؟ فقيل: هذه لـ عبد الرحمن بن عوف، فبينما هو يتأمل في حسن المرج وبهائه إذ طلع عليه عبد الرحمن بن عوف من القبة، وقال: يا ابن مالك! هذا ما أعطانا الله ﷿ على القرآن هذا ما أعطانا الله ﷿ على القرآن، ولو أشرفت على هذه الثنية لرأيت ما لم تر عيناك وسمعت ما لم تسمع أذناك ووجدت ما لم يخطر على قلبك، أعده الله ﷿ لمن؟ أعده الله لـ أبي الدرداء لأنه كان يدفع عنه الدنيا بالراحتين والصدر.
وصدق الله العظيم حين قال: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]، وصدق الله العظيم حين قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ * عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة:١٠ - ٢٦].
ما غيروا وما بدلوا.