جود الصحابة وإيثارهم على أنفسهم
واسمع خبراً من الأخبار حتى تعلم أن أثر الجود والكرم يبلغ السماوات السبع، وأريدك وأنت تسمع أن تقول بعدها: سبحان الله! كيف وصلوا إلى هذه الدرجة من البذل والعطاء؟ ولا عجب في ذلك، فالقرآن زكى أولئك الرجال والنساء.
جاء عند البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني مجهود -يعني: أصابني جوع وعطش وحاجة لا يعلم بها إلا الله- وأنا ضيف عليك، فأرسل النبي ﷺ إلى بعض نسائه فقال: عندكم طعام؟ قالت: والذي بعثك بالحق ما عندنا إلا ماء، فبعث إلى البيت الثاني: أعندكم شيء؟ قالت: والذي بعثك بالحق ما عندنا إلا ماء، فطافوا على بيوته التسعة وليس فيها غير الماء، فقال النبي ﷺ لأصحابه: من يضيف ضيف النبي ﷺ؟ فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله! فأخذه حتى إذا جاء إلى بيته وهو صاحب عيال وأطفال قال لزوجه: ماذا عندك من الطعام؟ قالت: والله ما عندنا إلا قوت العيال، قال: ألهيهم بأي شيء، فإذا ناموا جلسنا أنا وأنت مع الضيف -وكان ذلك قبل نزول آيات الحجاب فإن الضيف كان يجلس مع الرجل وأهل بيته- فقومي فأطفئي السراج، ثم تظاهري بالأكل حتى يشبع الضيف، فجلسوا مع الضيف ثم قامت فأطفأت السراج، ثم تظاهرا بالأكل حتى شبع الضيف ونام الضيف وارتاح، ونام الصغار وأهل البيت على جوعهم؛ إيثاراً للضيف، وليس عندهم شيء إلا ما قدموه، فلما أصبح الصباح وجاء إلى النبي ﷺ قال له: (إن الله قد عجب من صنيعكما مع ضيفكما الليلة) فهم لم يقدموا إلا الموجود، وآثروا الضيف على أنفسهم وعلى صغارهم وعلى فلذات أكبادهم، وهذا هو منتهى البذل والعطاء؛ فقال الله فيهم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩].
الله أكبر! أنفق ولا تخش إقلالاً فقد قسمت على العباد من الرحمان أرزاق لا ينفع البخل مع دنيا مضللة ولا يضر مع الإقبال إنفاق