تفسير قوله تعالى (فجعلهم كعصف مأكول)
قال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:٥] أي: كتبن أكلته الدواب فراثته، والروث هو البعر الذي يتقطع عما قليل، ويصير قطعاً قطعاً، أو كطحين أكل ثم راثته الدواب، فالله ﷿ قتل بعض أصحاب الفيل قتلاً فورياً، وبعضهم كـ أبرهة جعل لحمه يتزايل قطعة قطعة، ولما وصل إلى صنعاء مذعوراً مدهوشاً انصدع صدره عن قلبه فهلك.
والسؤال الذي طرحه بعض المفسرين، ومنهم صاحب أضواء البيان ﵀، كيف ينصر الله ﷿ أهل مكة وهم وثنيون على أبرهة ومن معه وهم أهل كتاب نصارى؟ فأجاب من وجوه وهي: الوجه الأول: أنهم كانوا ظلمة، والظلم مرتعه وخيم، قال الرسول ﷺ: (اتق دعوة المظلوم ولو كان كافراً) أي: ولو كان وثنياً، وهذا الذي يجعلنا نستبشر بأن نهاية الأمريكان الظالمين قريبة وشيكة؛ لأنهم ظلمة، فتعديهم على أفغانستان ظلم، وتعديهم على العراق ظلم، وتعديهم على إخواننا في فلسطين ظلم، وتعديهم على بلاد السودان قبل سنوات كان ظلماً، فهم استمروا في الظلم واعتادوه، والظلم عاقبته وخيمة، قال محمد بن كعب القرظي ﵀: ثلاث -أي ثلاث خصال- من فعلهن عادت عليه، من بغى، ومن مكر، ومن نكث، أما من بغى فقد قال الله ﷿: ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس:٢٣]، وقال الله ﷿: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح:١٠]، وقال: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣]، من بغى أو مكر أو نكث عاد عليه.
الوجه الثاني: أن الوثنية كانت اعتداء على حق الخالق، أما فعل أبرهة فكان اعتداء على المخلوقين، والله ﷿ في حقه يمهل ويتسامح، لكن في حق المخلوقين يأخذ أخذ عزيز مقتدر.
الوجه الثالث: أن البيت في أساسه بني على التوحيد، وأسس على تقوى من الله ورضوان، رفع قواعده الخليل إبراهيم أستاذ التوحيد العظيم وشيخ الأنبياء، ومعه ولده إسماعيل، وبقي البيت قبلة وكهفاً للموحدين ومثابة للمؤمنين زماناً طويلاً، والوثنية كانت شيئاً طارئاً، والحمد لله لم تستمر طويلاً فقد طهرها الله بمحمد ﷺ وأعاد إلى البيت رونقه وبهاءه.
فهذه القصة كما يقول أهل التفسير: كانت معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ؛ لأنها صاحبت مولده المبارك، إيذاناً بأن الظلم قد انتهى، وأن عهده قد ولى، وأن مولده ﵊ علامة وأمارة على رفع لواء العدل ورد الحقوق إلى أهلها.