الالتفات في الصلاة بلا حاجة
خامساً: الالتفات في الصلاة بلا حاجة؛ لحديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ سئل عن الالتفات في الصلاة فقال: (هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد).
والالتفات لحاجة يجوز، والدليل على ذلك حديث أبي بكر -وهو ثابت في صحيح البخاري - أن رسول الله ﷺ ذهب يصلح بين حيين من الأنصار من بني عمرو بن عوف، فقال لـ بلال: (إن حضرت الصلاة ولم أرجع فمر أبا بكر فليصل بالناس).
وفعلاً تقدم أبو بكر ﵁ فلما افتتح صلاته حضر رسول الله ﷺ، فجعل الناس يتنحنحون من أجل أن ينتبه أبو بكر، وكان ﵁ إذا صلى لا يلتفت، فلما أكثر الناس من التنحنح التفت فرأى رسول الله ﷺ، فأشار إليه ﷺ أن مكانك فحمد أبو بكر ربه، ثم رجع القهقرى -وهذا من فقهه أنه لم يستدبر القبلة- وتقدم رسول الله ﷺ فصلى بالناس، وبعد الصلاة قال لـ أبي بكر: (ما منعك أن تمكث إذ أمرتك؟) فقال: ما كان لـ ابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله ﷺ.
وعند العلماء قاعدة وهي: أن الأدب مقدم على الطاعة، مثل أن يدخل الأب على ابنه، فيقوم من باب الأدب.
ومن أدب أبي بكر الصديق مع أبيه أنه لما ذهب إلى مكة وهو خليفة وأبوه يريد أن يقوم ليسلم عليه، فعجل أبو بكر فقفز من دابته قبل أن ينيخه من أجل أن يدرك أباه فلا يقوم.
كذلك ابن عمر لما قال النبي ﷺ: (إن شجرة تشبه المؤمن فما هي؟)، فخاض الناس في شجر البوادي، كل واحد يذكر شجرة، قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، لكنني هبت مشيخة أصحاب رسول الله ﷺ، وكان أبو بكر وعمر وعثمان والصحابة الكبار في المجلس، وبعد أن انفض المجلس وأخبرهم الرسول ﷺ أنها النخلة قال ابن عمر لأبيه: يا أبت! لقد وقع في نفسي أنها النخلة، ولكنني استحييت، فقال له: والله! لو قلتها لكان خيراً لي من الدنيا وما فيها، فتمنى لو قالها، لأن ذلك سيكون شرف عظيم له، وليس كما نسمع الآن من يقول: اسكت يا ولد! الكبار قاعدون، كيف تتكلم؟ لا، الصغير إذا كان عنده علم فليتكلم: وإن كبير القوم لا علم عنده صغير إذا التفت إليه المحافل تعلم فليس المرء يولد عالماً وليس أخو علم كمن هو جاهل وفي صلح الحديبية لما كان علي بن أبي طالب يكتب الصلح كتب علي: بسم الله الرحمن الرحيم، فقام سهيل قال: لا ندري ما الرحمن الرحيم، اكتب باسمك اللهم، فالتفت علي ﵁ إلى الرسول ﷺ فقال له: (امحها)، فمحاها علي، ثم كتب: هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو، فقام سهيل بن عمرو وقال: ما نعرف رسول الله، لو عرفنا أنك رسول الله ما حاربناك، اكتب: محمد بن عبد الله، فقال النبي ﷺ: (امحها يا علي)، فقال علي: والله لا أمحوها.
وهذا نوع من الأدب، كيف أمحو وصفك يا رسول الله؟! فالرسول ﷺ الله عليه وسلم محاها بيده ﵊.