احتساب كل من الزوجين على الآخر
ثم إن مسألة الاحتساب ليست فقط من الآباء للأبناء أو للبنات، بل هي أيضاً مسألة متعلقة من الزوج لزوجته ومن الزوجة لزوجها، فهذا نبينا ﷺ لما كانت عائشة تحدثه، فتكلمت عن صفية ﵂، وصفية هي زوجة من زوجات النبي ﷺ، فأشارت عائشة ﵂ بيدها إشارة تعرض بـ صفية -تعني أنها قصيرة- فالتفت النبي ﷺ ليأمر زوجته بالمعروف ولينهاها عن المنكر، فقال: (لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته) انظروا -أيها الأحبة- هذا النوع من العناية ومن الاحتساب والأمر والنهي من الزوج لزوجته، من نبينا ﷺ سيد الأولين والآخرين لأم المؤمنين ﵂، فما بالنا نحن اليوم الواحد ربما سمع الغيبة تلو الغيبة، والنميمة تلو النميمة، والقالة تلو القالة من زوجته، تكلمه زوجته عن بني فلان وبنات فلان وآل علان، وآل فلان أبوهم بخيل، وأهل فلان أمهم خراجة ولاجة، وبنات فلان فيهن كذا وكذا وأبناء فلان فيهم من الصفات والصفات، غيبة تتلوها غيبة، نميمة تتلوها نميمة، ثم لا تجد الأب ينكر ذلك، ولو أن الواحد أمر بالمعروف ونهى عن المنكر لقال لزوجته بكل حبٍ وإشفاقٍ وحنان: يا هذه! إنك غنية عن أن تهدي ثواب أعمالك وأن تهدي حسناتك لأهل فلان وبني علان، احفظي أعمالك لا تعطي الناس ثواب عملك، وحسناتٍ تتعبين الليل والنهار في جمعها.
الواقع اليوم أن كثيراً من الأزواج يتحدثون في أناسٍ والزوجة تسمع وتتلذذ لذلك، ولو كانت ممن تعتني بالأمر والنهي لقالت: يا زوجي الحبيب! يا زوجي العزيز! ألا تظن أن في هذا الكلام غيبة؟ أتظن أن هذا يجوز؟ ألا تظن أن هؤلاء سيأخذون ثواب عملك؟ ألا تظن أن هؤلاء الذين نتكلم فيهم، حتى ولو أشركت نفسها معه بصيغة الخطاب حتى لا تجعله في زاوية المهاجم لتقول: ألا ترى أن هؤلاء الذين نتكلم فيهم أليسوا يأخذون من أعمالنا؟ أليسوا يأخذون ثواب صلاتنا وصيامنا؟ أليسوا يقتصون منا إذا استطلنا بألسنتنا في أعراضهم يقتصون منا من حسناتٍ نجنيها؟ فحينئذٍ يذكر كل واحدٍ منهم الآخر، وذلك أمرٌ لا بد منه.
إن الحاجة ماسة إلى الأمر والنهي في الأسرة ليست في مرحلة معينة، بل منذ ولادة الطفل، والحاجة إلى التربية وإلى الأمر والنهي؛ لتحقيق العبودية وبناء الشخصية لمراحل مبكرة أمرٌ لابد منه، ولذلك لم يكن خطاب النبي ﷺ للأمة مختصراً على الكبار، بل أمر الصغار ونهاهم، فهذا هو الصحابي الصغير كان غلاماً يجلس على مائدة النبي ﷺ يقول: (كنت غلاماً في حجر رسول الله ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة -أي: يأكل تارة هنا، وتارة من وسط الصحفة، وتارة من طرف الإناء- فيأمره ﷺ ويؤدبه وينهاه، ويقول له: يا غلام! سم الله تعالى، وكل بيمينك، وكل مما يليك) ولك أن تنظر إلى هذا المشهد الجميل يوم قدم أحد أبناء فاطمة أحد أبناء النبي ﷺ وهو الحسن أو الحسين أخذ يأكل تمراً من تمر الصدقة فقال ﷺ: (كخٍ كخٍ) يعني: أخرجها لا تأكلها دعها، مشيراً إلى أن آل البيت لا يحل لهم أن يأكلوا الصدقات أو الزكاة، ما أجمل هذه المعاني! وما أجمل هذه الصور التي تمتلئ بالأمر والنهي!