عذاب القبر ونعيمه
ثم بعد ذلك على ما يكون من إجابة، وعلى ما كان من العبد من عمل يكون عذاب القبر ونعيمه، وعذاب القبر ونعيمه أمر استفاض علمه من دلائل الكتاب والسنة المطهرة عن رسولنا ﷺ، كما في صحيح مسلم من حديث زيد بن ثابت قال: كنا مع رسول الله ﷺ في حائط لبني النجار، فحادت به بغلته حتى كادت أن تلقيه صلوات الله وسلامه عليه، فإذا أقبر خمسة أو ستة أو أربعة، فالتفت ﷺ إلى أصحابه وقال: (من يعرف أصحاب هذه القبور؟ فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله.
فقال: متى مات هؤلاء؟ قال: ماتوا في زمن الإشراك، فقال ﷺ: لولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع، ثم قال لأصحابه: تعوذوا بالله من عذاب القبر، فقالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: تعوذوا من فتنة المسيح الدجال، فقالوا: نعوذ بالله من فتنة المسيح الدجال).
فهذا خبر صحيح، ويؤيده ما جاء في حديث عائشة أن امرأتين من اليهود قدمتا عليها، فأخبرتاها بأن أصحاب القبور يعذبون في قبورهم، فلم تصدقهما أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، فلما قدم نبينا ﷺ أخبرته الخبر، فقال: (نعم، إن هذه الأمة تبتلى في قبورها.
قالت عائشة: فما وجدته بعدها إلا كثيراً ما يستعيذ بالله من عذاب القبر) ويدل عليه ظاهر القرآن، قال الله جل وعلا: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة:٢١]، قال بعض أهل العلم: العذاب الأدنى: عذاب القبر، ويدل عليه قول الله جل وعلا في سورة غافر: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦]، وهذا في القبر ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، فعذاب القبر ونعيمه أمر مستفيض مشهور، فمن عقيدتنا -أهل السنة والجماعة- أن أهل القبور إما في نعيم وإما في عذاب.
وهذا العذاب أو النعيم يشمل الروح والجسد، ويشمل الروح حيناً، لأن الروح تنفك عن الجسد حيناً وتنفصل عنه، وهذا أمر غيبي لا يعلمه إلا الله ﵎، فهو الذي يعلم كنهه ولبه ومنتهى إدراكه، فالله ﵎ علام الغيوب.