الخوف من الله
الخوف من الله أعظم مقاصد الشرع, وأعظم ما يثيب الله جل وعلا عليه، قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]، فالخوف من الله ﵎ سبيل لكل غاية, وإذا أراد الله بعبد خيراً وطَّن قلبه على أن يخشى ربه جل وعلا ويخاف منه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام:١٥].
وقد كان هابيل أشد قوة من قابيل , فلما هم قابيل بقتل هابيل ما منع هابيل ضعف في بدنه، وإنما منع هابيل أن يقتل أخاه خوفه من الله، فقال: ﴿لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة:٢٨]، فالخصيصة الجلى التي كان عليها أنبياء الله من قبل، ورسولنا ﷺ من بعد, وعلمها ﷺ أصحابه في حياته هي الخوف من رب العالمين ﷻ؛ لأن العبد إذا خاف الله اجتنب الذنوب والمعاصي أن يقتحمها.
وإن لم يرزق في قلبه خوفاً من الله -والعياذ بالله- تجرأ على المعاصي وتجرأ على الذنوب, ومثل هذا أين يرجى أن يؤتى كمالاً أو يعطى منالاً من ربه ﵎.
فأنشأ محمد ﷺ ذلك الجيل على الخوف من ربهم ﵎, وأورثهم ذلك الخوف البعد عن المحرمات, والمسارعة والمسابقة في الخيرات, وإلا فإنه لا يعقل أن أحداً يتجرأ على معصية إلا إذا قل الخوف فيه من الله, وقد لا ينعدم منه بالكلية, ولكن يقل، ولا يمكن أن يأتي أحد إلى طاعة إلا مع حسن ظنه بالله أن يثيبه، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، وليس العلماء من حفظوا المتون وأملوا الدروس, فكل من خشي الله فهو عالم بمقدار خشيته, وكل من عصى الله فهو جاهل بمقدار معصيته.
قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: إنما العلم الخشية.
أي: الخوف من الرب ﵎.
فهذه الخصلة أولى وأعظم ما ربى النبي ﷺ عليه أمته، وهي المفتاح الحق للحياة السعيدة.