كتابة الله ﷿ لأهل الجنة وأهل النار
وفي السنن ومسند أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم وفي يده كتابان فقال: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم)، أي: جمل أفراده وجمعت وكملت عن آخره، فلا يتطرق إليهم زيادة ولا نقصان.
(ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً)، أي: الكتاب الأول الذي هو اللوح المحفوظ، وهذا الكتاب كتاب محسوس، وكل النصوص الواردة تبين أن هذا الكتاب لا يمكن أن يكون معنى أو مجازاً، وإنما هو كتاب محسوس.
قال: (وقال: هذا كتاب أهل النار)، أي: الكتاب الثاني، (بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد ولا ينقص منهم أبداً، فقال أصحابه: يا رسول الله! إذاً: فيم العمل إن كان أمراً قد فرغ منه، فقال: سددوا وقاربوا).
وسددوا أي: ابلغوا بأعمالكم درجة السداد والصلاح، فإن عجزتم فلا أقل من أن تقتربوا من هذه الدرجة، فكأنه يقول: اعملوا بعمل الطاعة ما أمكنكم ذلك حتى تبلغوا كمال الطاعة وتمامها، فإن لم تبلغوا كمال الطاعة فلا أقل من أن تقتربوا من الكمال.
هذا معنى (سددوا وقاربوا)، أي: سددوا في أعمالكم إلى درجة الكمال، فإن لم توفقوا إلى الكمال فلا أقل من أن تقاربوا الكمال.
قال: (فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل، ثم قال بيده فنبذها)، أي: ثم إنه ﵊ ألقى الكتابين اللذين كانا في يديه مكتوب فيها أهل الجنة وأهل النار.
ثم قال: (فرغ ربكم من العباد)، أي: من كتابة من كان من أهل الجنة ومن كان من أهل النار من العباد.
(فقال: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧]).
قال: [وعن ابن عباس قال: (خرج النبي ﷺ يوماً فسمع ناساً يذكرون القدر -يعني: يجادلون فيما يتعلق بالقدر، والقدر ممنوع الخوض فيه- فقال: إنكم قد أخذتم في شعبتين بعيدتي الغور)، يعني: إنكم تتكلمون في مسألة ربما تؤدي بكم إلى جهنم؛ لأن القدر هو سر الله تعالى في خلقه، ولا يحل لأحد أن يتكلم فيه، ولا يخوض فيه.
قال: [(فيهما أهلك أهل الكتاب)]، يعني: بسبب الكلام في القدر أهلك الله تعالى أهل الكتاب؛ لأنه حرم عليهم أن يتكلموا في القدر فتكلموا.
(ولقد أخرج النبي ﷺ يوماً كتاباً فقال: هذا كتاب من الرحمن الرحيم، فيه تسمية أهل النار بأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم، مجمل على آخرهم، لا ينقص منهم شيء، ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧]، ثم أخرج كتاباً آخر فقرأ عليهم: هذا كتاب من الرحمن الرحيم، فيه تسمية أهل الجنة بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم، مجمل على آخرهم، لا ينقص منهم، ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧]).
فالنبي ﷺ خرج وفي يده كتابان فقرأهما عليهم وهم يسمعونهما منه ثم نبذهما ﵊، ولا يصح المجاز في مثل هذا، فهما كتابان حقيقيان محسوسان، فيهما أسماء أهل الجنة وأسماء أهل النار وأسماء قبائلهم وآبائهم وعشائرهم، والنبي قرأ عليهم مقدمة الكتابين، وفيهما: (هذا كتاب من الرحمن الرحيم، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم)، وتوقف عند هذا، ثم قال: (وهذا كتاب أهل النار من الرحمن الرحيم، فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وعشائرهم وقبائلهم)، ثم توقف ﵊ ولم يقرأ الأسماء؛ لأن النصوص لم ترد بقراءة الأسماء.
وهذا يفيد أن الله تعالى يفعل في خلقه ما يشاء ﷾، فإذا أدخل عبداً من عباده الجنة فبرحمته وفضله، وإذا أدخل منهم أحداً النار فبعدله غير ظالم له.
والجنة والنار مخلوقتان الآن، ومالكهما هو الله ﷿، فهو مالك الجنة ومالك النار، فهو ﷿ الذي خلقهما، وهما ملكه، وهؤلاء العباد عبيده، فإذا شاء أن يدخل بعض عباده الجنة فعل، وإذا شاء أن يدخل بعض عباده النار فعل، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه ﷾.
هذا مجمل الباب.