صبر إبراهيم ﵇ في دعوة قومه
صبر إبراهيم ﵇ على البلاء، وقد كان أمة في الصبر على البلاء، فبعد أن دعا أباه -كما بينا في اللقاء الأول- قام يدعو القوم من عباد الأصنام ويناظر عباد النجوم والكواكب، ويناظر ذلك الملك الظالم، وقد ذكر الله تعالى مناظرته لعباد الأصنام في قوله ﷿: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء:٦٩ - ٧٠]، وإبراهيم كان يعلم أنهم يعبدون الأصنام، وإنما سألهم عما يعبدون توبيخاً وتقريعاً، وليبين لهم أن الذي يعبدونه لا يستحق العبادة، فكان جوابهم في منتهى الكبر والغرور والعجرفة والثبات على الباطل، ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء:٧١].
يقول السيوطي في (الإتقان في علوم القرآن): وحال السؤال مع الجواب في القرآن ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحياناً يأتي الجواب في القرآن على قدر السؤال.
وأحياناً يأتي الجواب أطول من السؤال.
وأحياناً يأتي الجواب بخلاف السؤال.
ومثال ما أتى فيه الجواب أطول من السؤال قول الله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٧ - ١٨]، فالجواب جاء أطول بكثير من السؤال، وقد قال علماؤنا: وإنما قال موسى: (وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) طمعاً في أن يسأله الله ما هي المآرب الأخرى، حتى يطيل اللقاء مع الله ﷿.
وأما ما أتى فيه الجواب أقصر من السؤال فكما في قول الله تعالى لما قال المشركون لرسول الله ﷺ: ((ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ))، فقد طلبوا منه أن يأتي بقرآن غير هذا القرآن، أو أن يبدله، فكان الجواب ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس:١٥]، فأجاب عن التبديل ولم يجب عن أن يأتي بقرآن غيره؛ لأنه إن كان عاجزاً عن أن يبدل فمن باب أولى أنه سيكون عاجزاً عن أن يأتي بغيره، فالجواب هنا كان أقل من السؤال.
ومما أتى فيه الجواب أطول من السؤال حديث النبي ﷺ لما سئل عن ماء البحر: (إنا نركب البحر، أفنتوضأ بماء البحر يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، وهو لم يسأل عن الميتة وإنما سئل عن الوضوء، فأجاب عن الميتة لأنه يعلم أن حاجة السائل للميتة أشد من حاجته للوضوء، وهذه إجابة حكيم، ومَن الحكيم إن لم يكن هو سيد البشر ﷺ؟!