آية سورة القيامة
وهذه الأدلة التي ذكرها الشيخ هي قول الله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] فالأولى ناضره بالضاد بدون ألف، والثانية بالظاء بألف، فقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢]، من النضرة، وهي: البهاء والجمال.
﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] والمقصود بالنظر هنا نظر العين، وذلك: أن مادة (نظر) إما أن تتعدى بنفسها، وإذا تعدت بنفسها فإنها تكون حينئذ بمعنى: الانتظار، كقول الله ﷿: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣]، وكقوله تعالى: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس:٤٩]، وكقوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل:٣٥].
والفعل ينقسم إلى قسمين: لازم، ومتعد.
والفعل اللازم هو: الذي يكتفي بفاعله.
والفعل المتعدي هو: الذي يطلب مفعولاً.
والفعل المتعدي ينقسم إلى قسمين: متعد بنفسه، وهو: الذي يطلب المفعول بنفسه، بدون صلة.
متعد بصلة، وهو: الذي يتعدى إلى مفعوله بحرف من حروف الجر.
فإذا تعدى الفعل (نظر) بنفسه فيكون النظر بمعنى: الانتظار، كما في قوله تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣]، أي: انتظرونا، وقوله: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً﴾ [يس:٤٩]، يعني: ما ينتظرون إلا صيحة، وقوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل:٣٥]، يعني: منتظرة بم يرجع المرسلون.
وإذا تعدى فإما أن يتعدى بحرف (في)، وإما أن يتعدى بحرف (إلى)، فإذا تعدى بحرف (في) فيكون معنى النظر: التفكر والاعتبار والاتعاظ، كقول الله ﷿: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥]، يعني: أولم يعتبروا ويتفكروا في ملكوت السماوات والأرض.
وأما إذا تعدت (بإلى) فإنها تكون نصاً في الرؤية بالعين، كقوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية:١٧]، وكيفية النظر إلى خلق الإبل لا يتم إلا إذا نظر الإنسان إليها بعينه، وكذلك قوله تعالى: ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام:٩٩]، يعني: انظروا بأعينكم، وكقوله أيضاً في قصة الرجل الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه: ﴿فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة:٢٥٩]، ومعنى النظر هنا: النظر بالعين.
ويزيد التأكيد على أن النظر في هذه الآية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] بالعين هو: أن النظر جاء متعدياً (بإلى)، وهو نص في رؤية العين، ثم إنه أضيف إلى الوجه، وليس في الوجه ما يمكن أن ينظر به إلا العين، فعلم من هذا أن قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، يعني: إلى ربها ناظرة بعيونها.
فالمؤمنون يرون الله ﷿ يوم القيامة بعيونهم التي في رؤوسهم.
وبعض المبتدعة يقول: إن النظر في هذه الآية معناه: الإدراك العقلي والشعور النفسي والفكري فقط، وأنه لا يمكن أن يرى الله ﷿ بالعين التي في الرأس مع هذه التأكيدات التي تدل على أن الآية المقصود بها النظر بالعين التي تكون في الرأس.