* تَعَقَّبُ قُرَيْشٍ لِمُهَاجِرَةِ الحَبَشَةِ:
فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ أصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ قدْ أَمِنُوا وَاطْمَأَنُّوا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ، وأنَّهُمْ قَدْ أصَأبُوا بِهَا دَارًا وَاسْتِقْرَارًا، وحُسْنَ جِوَارٍ مِنَ النَّجَاشِيِّ ﵁، ائْتَمَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ أَنْ يَبْعَثُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ وَفْدًا مِنْهُمْ فَيَرُدَّهُمْ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَارُوا رَجُلَيْنِ جَلْدَيْنِ (١) وهُمَا: عَمْرُو بنُ العَاصِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وأرْسَلُوا مَعَهُمَا الهَدَايَا لِلنَّجَاشِيِّ وَلبَطَارِقَتِهِ (٢)، وكَانَ مِنْ أَعْجَبِ مَا يَأْتيهِ مِنْهَا الأُدْمُ (٣).
فَجَمَعُوا لَهُ أُدْمًا، وَلَمْ يَتْرُكُوا مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطْرِيقًا إِلَّا أَهْدَوْا لَهُ هَدِيَّةً، فَقَالُوا لِكُلِّ بِطْرِيقٍ مِنْهُمْ بَعْدَ أَنْ دَفَعَا إِلَيْهِ هَدِيَّتَهُ -قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَا النَّجَاشِيَّ-: إِنَّهُ قَدْ ضَوَى (٤) إِلَى بَلَدِ المَلِكِ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ، فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ، وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكُمْ، وجَاؤُوا بِدِينٍ مُبْتَدَعٍ، لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتُمْ، وَقَدْ بَعَثَنَا قَوْمُنَا لِيَرُدَّهُمُ المَلِكُ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا كَلَّمْنَا المَلِكَ فِيهِمْ، فَأَشِيرُوا عَلَيْهِ بِأَنْ يُسْلِمَهُمْ إلَيْنَا، وَلَا يُكَلِّمَهُمْ، فإنَّ قَوْمَهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا (٥)، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ.