فَلَيَمْتَنِعُنَّ بِهِ مِنْكُمْ، وَلَئِنْ قَتَلْتُمُوهُمْ لَتَقْتُلُنَّهُمْ في الشَّهْرِ الحَرَامِ، فتَرَدَّدَ القَوْمُ، وَهَابُوا الإِقْدَامَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ شَجَّعُوا أنْفُسَهُمْ عَلَيْهِمْ، وَأَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِ مَنْ قَدِرُوا عَلَيْهِ مِنْهُمْ، وَأَخْذِ مَا مَعَهُمْ، فَرَمَى وَاقِدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ عَمْرَو بنَ الحَضْرَمِيِّ بِسَهْمٍ فَقتَلَهُ، وَشَدَّ (١) المُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، وَاسْتُأْسِرَ عُثْمَانُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالحَكَمُ بنُ كَيْسَانَ، وَأَفْلَتَ نَوْفَلُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ فَأَعْجَزَهُمْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ ﵁ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّا غَنِمْنَا الخُمُسُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ اللَّهُ تَعَالَى الخُمُسَ مِنَ المَغَانِمِ، فَعَزَلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُمُسَ العِيرِ، وَقَسَّمَ سَائِرَهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ أقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ ﵁ بِالعِيرِ وَالأَسِيرينِ إِلَى المَدِينَةِ. فَكَانَ في هَذِهِ السَّرِيَّةِ أَوَّلَ خُمُسٍ في الإِسْلَامِ، وَأَوَّلَ قَتِيلٍ مِنَ الْكُفَّارِ فيِ الإِسْلَامِ، وَأَوَّلَ أَسِيرَيْنِ في الإِسْلَامِ.
فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ قَالَ لَهُمْ: "مَا أمَرْتُكُمْ بِقِتَالٍ في الشَّهْرِ الحَرَامِ"، وَتَوَقَّفَ الرَّسُولُ ﷺ في التَّصَرُّفَ في العِيرِ وَالأَسِيرَيْنِ، وَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا.
فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُقِطَ في أيْدِي القَوْمِ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا، وعَنَّفَهُمْ إخْوَانُهُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ فِيمَا صَنَعُوا، وَاتَّخَذَ المُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ مِمَّا حَدَثَ وَسِيلَةً لِلطَّعْنِ في المُسْلِمِينَ، وَقَالُوا: قَدِ اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ الشَّهْرَ الحَرَامَ، وَسَفَكُوا فِيهِ الدَّمَ، وَأَخَذُوا فِيهِ الأَمْوَالَ، وَأَسَرُوا فِيهِ الرِّجَالَ.