ورآه عمر ﵁ يتلوى من الجوع، فما يجد رديء التمر يسد به جَوعَتَه، ثم رأى ﵁ ما أصاب الناس من الدنيا فقال: (لقد رأيتُ رسول الله ﷺ يظل اليوم يلْتَوي، ما يجد دَقَلاً يملأ به بطنه). (١) والدقل: هو التمر الرديء.
وحين يجد النبي ﷺ طعاماً فإنما يجد خبز الشعير فحسب، يقول ابن عباس حاكياً حال ابن عمه ﷺ: (كان رسول الله ﷺ يبيت الليالي المتتابعةَ طاوياً، وأهلُه لا يجدون عشاء، وكان أكثرُ خبزِهم خبز الشعير). (٢) ومع ذلك فما كان يجد ما يشبعه منه.
وهذا الشعير الذي لم يشبع منه ﷺ كان من رديء الشعير، لا من جيده، فقد كان غير منخول.
سئل سهل بن سعد: هل أكل رسول الله ﷺ النقي [أي من الشعير]؟ فقال سهل: ما رأى رسول الله ﷺ النقي من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله.
فقيل له: كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ قال: كنا نطحنه وننفخه، فيطير ما طار، وما بقي ثريناه [أي: بللناه بالماء] فأكلناه. (٣)
وتحكي أم المؤمنين عائشة لابن أختها عروة حال بيوتات النبي ﷺ، فتقول: (ابنَ أختي، إنْ كنا لننظرُ إلى الهلال ثم الهلال، ثلاثةَ أهلَّةٍ في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار).
فسألها عروة: يا خالةُ، ما كان يُعيشُكم؟ قالت: (الأسودان: التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار كانت لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله ﷺ من ألبانهم، فيسقينا). (٤)
وبعد وفاة النبي ﷺ دُعي أبو هريرة ﵁ إلى شاة مشوية، فأبى أن يأكل، وقال: خرج رسول الله ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير. (٥)