وكيف لا يكون هذا حاله، وهو الأسوة الحسنة الذي أوصى أصحابه بالاقتصاد من الدنيا، فكان أسبقهم إلى ذلك، يقول سلمان: (إن رسول الله ﷺ عهد إلينا عهداً أن يكون بُلغَةُ أحدنا من الدنيا كزاد الراكب). (١)
وحين غادر ﷺ الدنيا ماذا ترك لأهله منها؟
يجيب عمرو بن الحارث أخو أمِ المؤمنين جويرية فيقول: (ما ترك رسول الله ﷺ عند موته درهماً ولا ديناراً ولا عبداً ولا أمَة ولا شيئاً؛ إلا بغلتَه البيضاء وسلاحَه، وأرضاً جعلها صدقة). (٢)
ويروي الإمام أحمد أن النبي ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين صاعاً من شعير. (٣)
وكما زهد النبي ﷺ عن الدنيا زمن حياته، فإنه لم يبتغ جر نفع من منافعها إلى أهله وذويه بعد موته، فإنه ﷺ لا يبتغي أن يجر لأهله شيئاً من زخارفها، لذا قال ﷺ: ((لا نورّث، ما تركناه صدقة)). (٤)
وهكذا فإنه يحق لنا أن نتساءل عن الكسب الدنيوي الذي جناه النبي ﷺ من نبوته، فإنه عاش عيشة المساكين التي تمناها ودعا الله بدوامها، فكان طعامه خشنُ الشعير، ورديءُ التمر، إذا ما تيسر له ذلك، وأما وساده وفراشه ﷺ فهما دليلٌ آخرُ على استعلاء النبي ﷺ على الدنيا التي هجرها ﷺ بإرادته واختياره.
وصدق فيه قول الشاعر:
وراودَته الجبال الشُّمُّ من ذهب ... عن نفسه فأراها أيما شمم