فهلكوا ويؤكد ذَلِك الرَّسُول ﷺ بقوله ((هلك المتنطعون)) قَالَهَا ثَلَاثًا (١) وَلَقَد كَانَ الرَّسُول ﷺ يسير مَعَ أَصْحَابه سيراً واقعياً بَعيدا عَن إِحْدَاث الْمَشَقَّة والحرج مِمَّا يباعد الْمُسلم عَن السَّآمَة والملل.
روى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن أبي وَائِل قَالَ: كَانَ عبد الله بن مَسْعُود ﵁ يُذَكَّر النَّاس كل خَمِيس، فَقَالَ رجل: يَا أَبَا عبدا لرحمن لَوَدِدْت أَنَّك ذكرتنا كل يَوْم قَالَ أما إِنَّه يَمْنعنِي من ذَلِك أَنِّي أكره أَن أُملكم وَإِنِّي أتخولكم بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِي ﷺ يَتَخَوَّلنَا بهَا مَخَافَة السَّآمَة علينا. (٢) فَهَذَا الْهَدْي النَّبَوِيّ يتناسق مَعَ مَا تَقْتَضِيه سماحة الْإِسْلَام ويسره.
وعندما رأى ﷺ فِي بعض أَصْحَابه جنوحاً عَن التَّوَسُّط وبعداً عَن السماحة واليسر ردَّهم إِلَى سنته وهديه.
فَعَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ: جَاءَ ثَلَاثَة رَهْط إِلَى بيُوت أَزوَاج النَّبِي ﷺ يسْأَلُون عَن عبَادَة النَّبِي ﷺ فَلَمَّا أخبروا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوها. فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحن من النَّبِي ﷺ وَقد غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر. قَالَ أحدهم: أما أَنا فأصلي اللَّيْل أبدا، وَقَالَ آخر: أَنا أَصوم الدَّهْر فَلَا أفطر، وَقَالَ آخر: أَنا أعتزل النِّسَاء فَلَا أَتزوّج أبدا، فجَاء رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: ((أَنْتُم الَّذين قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أما وَالله إِنِّي لأخشاكم وأتقاكم، وَلَكِنِّي أَصوم وَأفْطر وأصلي وأرقد وأتزوج النِّسَاء فَمن رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني)) مُتَّفق عَلَيْهِ (٣) .