ومن لطيف الأدلة التي ذكرها الرازي عن بعض من لقيه، في بطلان هذا القول ما ذكره من قوله: " وكان صديقنا الملك سام بن محمد يرحمه الله ـ وكان من أفضل من لقيته من أرباب السلطنة، يقول: هذا الكلام بعد الدلائل القوية القاهرة، باطل من وجهين أخرين:
الأول: أن النبي ﷺ قال: " من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي " (¬١)
فإذا لم يقدر الشيطان على أن يتمثل في المنام بصورة الرسول، فكيف قدر على التشبه بجبريل حال اشتغال تبليغ وحي الله تعالى.
الثاني: أن النبي ﷺ قال: " ما سلك عمر فجاً إلا وسلك الشيطان فجاً آخر " (¬٢). فإذا لم يقدر الشيطان أن يحضر مع عمر في فج واحد، فكيف يقدر على أن يحضر مع جبريل في موقف تبليغ وحي الله تعالى " (¬٣).
وهذه الأوجه مع لطافتها، إلا أنها مما يُستأنس بها، وإلا لو صح ما رُوي عن السلف من الآثار؛ لكان ما جرى للنبي ﷺ هو من باب الامتحان والاختبار للعباد، كما قال السمعاني.
المسألة الثانية: توجيه قوله تعالى لنبيه ﷺ: (لئن أشركت ليحبطن عملك).
قال الله تعالى مخاطباً نبيه ﵊:" وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ " (الزمر ٦٥). وفي قوله تعالى بعد ما سرد ذكر أنبيائه قال: " وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ " (الأنعام ٨٨). فكيف يكون توجيه الخطاب في هذه الآية، مع ما تقرر من عصمة الأنبياء عن الوقوع في الشرك؟!
ذكر السمعاني في توجيه قوله تعالى: " لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ " (الزمر ٦٥) قولان:
١ ـ هذا خطاب للرسول ﷺ، والمراد منه غيره.
٢ ـ يجوز أن يكون تأديباً للرسول ﷺ وتخويفاً له، ليتمسك بما عليه. (¬٤)