فجاء الرَّهطُ الَّذين يُرَحِّلون، فوضعوا رحْلَها على البعير، وحملوا هَوْدَجَها فوقه، وهم يظنُّونها فيه، ولم يستنكروا ثقل الهودج حين رفعوه لخفَّة بدنها ﵂، ولحسن أدبهم؛ فلم ينظروا داخله، ولم يتكَّلَّموا بكلمة، بحيث أنَّها لم تكن في الهودج، وهم يحسبونها فيه.
وعُذْرُ عائشة ﵂ أنَّها كانت جارية حديثة السِّن، لأنَّ النَّبيَّ ﷺ دخل عليها بعد الهجرة في شوَّال، وغزوة المُرَيْسِيع على الرَّاجح أنَّها كانت في شعبان سنة خمس من الهجرة، فتكون عائشة ﵂ لم تكمل أربعَ عَشْرَةَ سنة.
ولذلك نراها حريصةً على عقدها، وهو من خرز لا من ذَهَبٍ ولا جوهر، حتَّى استقلَّت بالتَّفتيش عليه، ولم تُعْلِمْ أهْلَها لينتظروها إن أرادوا الرَّحيل، ولم تستصحب معها غيرها، ولم تتفطَّن لعواقب الأمور، وهذا لصِغَرِ سنِّها، ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾ [الأنفال].
فذهب الجيشُ، ووجدت عِقْدَها بعدما استمرَّ الجيشُ ماضياً، ورجعت إلى منازل (أماكن) القوم، وقصدت مكانها الَّذي كانت فيه، فلم تَجِدْ أحداً، وظنَّت أنَّهم سيفطنون لها، فيرجعون إليها، ويعودون إلى مكانها الَّذي تركوها فيه، فجلست في مكانها حتَّى غلبها النَّومُ مِن الغمِّ. وكان صَفْوَانُ بن المُعَطَّلِ ﵁ (¬١)