وَيُرْسِلُهَا مَرَّةً وَيُسْنِدُهَا أُخْرَى عَلَى حَسَبِ نَشَاطِهِ، فَالْحُكْمُ أَبَدًا لِمَنْ رَفَعَ عَنْهُ وَأَسْنَدَ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ ثِقَةً حَافِظًا، مُتْقِنًا عَلَى السَّبِيلِ الَّذِي وَصَفْنَاهُ، فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ. (¬١) وقال الدَّارقطني: ومن عادة مالك أن يُرْسل أحاديث. (¬٢) وقال الخليلي: كَانَ مَالِكٌ يُرْسِلُ أَحَادِيثَ، لا يُبَيِّنُ إِسْنَادَهَا، وَإِذَا اسْتَقْصَى عَلَيْهِ مَنْ يَتَجَاسَرُ أَنْ يَسْأَلَهُ، رُبَّمَا أَجَابَهُ إِلَى الْإِسْنَادِ. (¬٣) ونقل ابن رجب عن الإمام أحمد، قال: ومالكٌ يُرسل أشياء كثيرة يُرْسلها غيره. (¬٤)
رابعًا: - الحكم على الحديث:
من خلال ما سبق يتضح أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "صحيحٌ لذاته".
وقال الهيثميُّ: رَوَاهُ الطَّبرانيُّ في "الأَوسط"، ورجاله رجال الصَّحيح. (¬٥)
خامسًا: - النظر في كلام المُصنِّف ﵁ على الحديث:
قال المُصنِّف ﵁: لم يَرو هذا الحديثَ عن مالك إِلَّا مَعْن، تَفَرَّد به: إبراهيم بن الْمُنذِر.
قلتُ: وفي كلامه ﵁ نظر؛ لكون مَعْن بن عيسى لم يَنْفرد برواية هذا الحديث عن مالك، بل تابعه يحيى بن عبد الله بن بُكير، عن مالك، وقد أشار الإمام الدَّارقطني إلى روايته - كما سبق -.
سادسًا: - التعليق على الحديث:
- قال ابن عبد البر: ليس في الحديث ما يحتاج إلى القول، وفيه إباحة الخبر عن القيامة والآخرة وحال النار - أجارنا الله منها -، وفيما نطق به القرآن من الخبر عن الآخرة، مُعْتَبر لأولي الأبصار. (¬٦)
- وليُعلم أنَّ الجنَّة والنَّار مخلوقتان وموجودتان الآن، نطقت بذلك الآيات والأخبار؛ قال الله ﷿ عن الجنَّة ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ (¬٧)، وقال ﷻ عن النَّار ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ (¬٨).
وتواترت الأحاديث الصحيحة على إثبات ذلك، منها: ما أخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيهما"، في حديث الإسراء، وفيه: أنَّ النبي ﷺ قال: " ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا المِسْكُ ". (¬٩)
وأخرج البخاري في "صحيحه"، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «اطَّلَعْتُ فِي الجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الفُقَرَاءَ،