الأثر الخامس:
أنَّ المسلمَ إذا دَخَلَ بلادَ الكفَّار الحربيِّينَ وكان يقصِدُ القيامَ بعمليَّاتٍ عسكريَّةٍ ضدَّهم، فأَظْهَرَ لهم طلبَ الدُّخولِ في أمانِهم، فأَعْطَوهُ الأمانَ، وسَمَحُوا له بدخول بلادهم؛ وَجَبَ عليهِ ـ ديانةً وأخلاقًا ـ الالتزامُ بعقد الأمان، وحَرُمَ عليه الغدرُ بهم
ليس لهذا الأثر تعلُّق بواقع المسلمين المقيمين في بلاد الغرب، لأنَّهم جاؤوا إليها طلبًا للأمان وأسباب المعيشة والاستقرار، ولكنه لا يخلو من فائدةٍ في بيان ما في كلام فقهاء الإسلام من تأصيلاتٍ رائعةٍ للعلاقات الدَّولية في حالتَي الحرب والسِّلم، وتعظيمٍ للعهود والمواثيق، وتأكيدٍ على الالتزام بها على وجهِ التديُّنِ لله ﷿.
قال السَّرخسيُّ ﵀: «ولو أنَّ رهطًا من المسلمين أتوا أوَّل مَسَالِحِ (¬١) أهل الحرب؛ فقالوا: نحن رسلُ الخليفة. وأخرجوا كتابًا يشبه كتاب الخليفة، أو لم يخرجوا، وكان ذلك خديعةً منهم للمشركين. فقالوا لهم: ادخلوا. فدخلوا دار الحرب؛ فليس يحلُّ لهم قتل أحدٍ من أهل الحرب، ولا أخذ شيءٍ من أموالهم ما داموا في دارهم. لأنَّ ما أظهروه لو كان حقًّا كانوا في أمانٍ من أهل الحرب، وأهل الحرب في أمانٍ منهم أيضًا، لا يحلُّ لهم أن يتعرَّضوا لهم بشيءٍ.