عن عائشة ﵂: أنَّ اليهودَ أتوا النبيَّ ﷺ فقالوا: السَّامُ عليكَ؟ قال: «وعليكم». فقالت عائشةُ: السَّامُ عليكم، ولعنَكُم الله، وغضب عليكم! فقال رسول الله ﷺ: «مَهْلاً يا عائشةُ! عليكِ بالرِّفقِ، وإيَّاكِ والعُنْفَ أو الفُحْشَ». قالت: أَوَلَمْ تسمع ما قالوا؟ قال: «أَوَلَم تسمعي ما قلتُ، رددتُ عليهم؛ فيستجابُ لي فيهم، ولا يُستجاب لهم فِيَّ». (¬١)
ففي هذا الحديث أدبٌ نبويٌّ كريم في الردِّ على من أساء في السلام عليه حقدًا منه وحسدًا، فأرشد النبيُّ ﷺ إلى الاكتفاء في الجواب بكلمة «وعليكم!»، فيرتدُّ على القائل ما أراد الإساءة به.
قال ابن بطال القرطبيُّ ﵀: «في الحديث أدب عظيم من أدب الإسلام، وحضٌّ على الرفق بالجاهل والصفح والإغضاء عنه؛ لأنَّ الرسولَ ﵇ تركَ مقابلةَ اليهود بمثل قولهم، ونَهَى عائشةَ عن الإغلاظ في ردِّها، وقال: مهلاً يا عائشةُ! إنَّ الله يحبُّ الرِّفقَ في جميع الأمور؛ لعموم قوله: «إنَّ الله يحبُّ الرِّفقَ في الأمر كلِّه» (¬٢)، وإن كان الانتصارُ بمثل ما قوبل به المرء جائزًا، لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١]، فالصبر أعظم أجرًا وأعلَى درجةً لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]، والصَّبْرُ أخلاقُ النبيين والصالحين، فيجبُ امتثال طريقتهم والتأسِّي بهم، وقَرْعُ النَّفْسِ عن المغالبة، رجاءَ ثواب الله على ذلك». (¬٣)